الرد على شبهة تحريم شد الرحال لزيارة القبور
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
منع زيارة قبر النبي ﷺ والأولياء بحجة حديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وزعم أن شد الرحال لزيارة القبور بدعة محرّمة لا أصل لها في الشرع.
مصدر الشبهة: الوهابية السلفية وطوائف السلفية المعاصرةقال الله تعالى:(وَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، وزيارة القبور هي أكمل أشكال الاعتبار لأنها تُحيي ذكر الآخرة وتزكّي النفس وتُذكّر الإنسان بفطرته أمام الله تعالى. فكيف يُقال إن زيارة القبور محرّمة وهي في حقيقتها تجسيد لأمر القرآن بالاعتبار؟
كما أن آيات القرآن الكريم في ذكر قصص الأنبياء والصالحين تدل على فضل التفكر في آثارهم وزيارة أماكنهم، فلما ذكر الله قصة أصحاب الكهف قال: (قُلْ لَوْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا لَوَكُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، والتفكير في آثار هؤلاء الصالحين من باب الاعتبار المأمور به.
من قال هذا فقد أبعد النظرة عن واقع المكلفين، فالاعتبار بالموتى يحتاج إلى تذكير حسي بأحوالهم ومقاماتهم، وزيارة القبور هي الوسيلة المثلى لذلك. فلماذا أمر النبي ﷺ بزيارة القبور إذا كان الاعتبار بدونها ممكناً؟ والأحاديث النبوية في فضل زيارة القبور كثيرة صحيحة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى). وهذا الحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم، لكن فقهاء الأمة فسّروه بأنه خاص بالسياح للعبادة في المساجد لا بالقبور.
كما أن النبي ﷺ نفسه نهى عن زيارة القبور ثم أذن فيها، فقال: (كنتُ نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فزُورُوهَا، فإنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ). فهذا نسخ للنهي الأول، فكيف يُقال إن زيارة القبور محرّمة وقد نسخ النبي ﷺ نهيها بالفعل؟
هذا تأويل مردود لأن فقهاء الأمة أجمعوا على أن المراد بالحديث هو السياح للعبادة في المساجد لا لزيارة القبور، والدليل أن النبي ﷺ نفسه أذن في زيارة القبور بعد ذلك. فلو كان حديث «لا تشد الرحال» يشمل القبور لما أذن النبي ﷺ بزيارتها. والحديثان متعارضان ظاهراً لكن حديث «كنت نهيتم» يخصص حديث «لا تشد الرحال».
نقل الإمام النووي في شرحه لمسلم الإجماع على استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وشد الرحال إليه، وقال: «اتفق العلماء على استحباب زيارة قبره ﷺ وشد الرحال إليه». وهذا إجماع قطعي لا يجوز مخالفته.
كما ذكر الإمام الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» آداب زيارة القبور وأولى الأولياء، وأوصى زيارة قبور الصالحين والتبرك بهم. وكتابه هذا هو من أشهر الكتب في التصوف السني المعتمد. فكيف يُقال إن زيارة القبور بدعة وهي إجماع؟
الإجماع يُثبت بالدليل لا باللفظ فحسب، فنقل النووي والغزالي وابن حجر استحباب زيارة القبور وشد الرحال إليها يدل على إجماع الأمة على ذلك. كما أن عمل المسلمين عبر ألف سنة في زيارة قبر النبي ﷺ وشد الرحال إليه هو دليل على الإجماع بالفعل لا بالقول فقط.
من أوضح ما يردّ على هذه الشبهة هو تساؤل عقلي منطقي: كيف يجوز شد الرحال للرزق والتجارة والسياحة في الأمور الدنيوية ويُحرم شد الرحال لزيارة النبي ﷺ وأوليائه في الأمور الشرعية التي تزكي النفس وتُحيي ذكر الآخرة؟
هذا تناقض بيّن، فالناس يسافرون للعمل والسياحة والعلاج ويُباح لهم ذلك، فكيف يُحرم شد الرحال لزيارة قبر نبيهم ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين؟ والشريعة الإسلامية جاءت لتنظيم حياة المسلم في كل شؤونها، وليس فيها ما يحرم الشدّ للعبادة ويجوزه للدنيا.
هذا تمييز بلا حجة، فإن السفر للدنيا ليس مشروعاً بالذات بل هو مباح لحاجة المسلم، فكيف يُباح السفر للحاجات الدنيوية ويُحرم السفر للحاجات الشرعية التي فيها ذكر الله والاعتبار بالآخرة؟ والشريعة لا تُحرم المباح إلا إذا ثبت النهي، ولم يثبت نهي عن زيارة القبور بل ثبت النهي عن النهي عنها.