جاري تحميل حكمة اليوم...

الرد على شبهة الشرك في التوسل والاستغاثة بالأولياء

هل طلب الدعاء من الصالحين الحي والميت شرك بالله؟ أم هو من الوسائل المشروعة المجمع عليها؟

التصوف والممارسات ١٠ دقائق متوسط دفع الشبهات

عرض الشبهة

يَزْعُمُ بَعْضُ المُنْكِرِينَ أَنَّ طَلَبَ الدُّعَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ — أَحْيَاءً كَانُوا أَوْ أَمْوَاتاً — وَالتَّوَسُّلَ بِهِمْ إِلَى اللهِ وَالاسْتِغَاثَةَ بِهِمْ هُوَ شِرْكٌ بِاللهِ وَعِبَادَةٌ لِغَيْرِهِ، قِيَاساً لَهُ عَلَى دُعَاءِ المُشْرِكِينَ لِلأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ).

— تنتشر هذه الشبهة بكثافة في خطابات التكفير والتبديع المعاصرة
نُثْبِتُ بِالأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ القَاطِعَةِ مَشْرُوعِيَّةَ التَّوَسُّلِ وَالاسْتِغَاثَةِ بِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّ الفَرْقَ بَيْنَ التَّوَسُّلِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ فَرْقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّ هَذَا الفَهْمَ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ سَلَفاً وَخَلَفاً.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • التوسل طلب دعاء من حي قادر عليه، أو التوجه إلى الله بجاه نبي أو ولي، وليس عبادة للبشر
  • الفرق بين دعاء العبادة ودعاء السببية (الاستعانة بمن يسبب) هو الفرق بين الشرك والتوسل المشروع
  • الآية (ولا تدع من دون الله) تتعلق بدعاء العبادة والتأثير الذاتي، لا بدعاء السببية والاستشفاع
  • ثبت في الصحيحين توسل الصحابة بالنبي ﷺ في حياته وبعد وفاته
  • أجمع الأئمة الأربعة على جواز التوسل، ونص عليه أحمد والشافعي وأبو حنيفة ومالك

١ التحرير المنهجي: الفرق بين دعاء العبادة ودعاء السببية

هذا هو مفتاح المسألة: «الدعاء» في لغة الشرع له معنيان: دعاء عبادة (وهو التوجه لله بالخضوع والرجاء مع اعتقاد أنه الخالق الرازق المدبر) ودعاء سبب (وهو طلب المساعدة من مخلوق فيما يقدر عليه).

فالمسلم حين يقول: «يا فلان ادع الله لي» أو «اللهم إني أتوسل إليك بنبيك»، لا يعتقد أن فلاناً أو النبي يخلق أو يرزق أو يدبر الأمر، بل يعلم أن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن النبي أو الولي مجرد سبب وشفيع. وهذا كاستعانة الجندي بقائده: يطلب منه الشفاعة عند الملك، لكن الجميع يعلمون أن الملك هو صاحب الأمر والنهي.

القاعدة الأصولية: «دعاء الله هو العبادة، ودعاء المخلوق فيما يقدر عليه هو من باب التسبب المشروع». فمن قال لفلان: «أسألك بالله أن تدعو لي» فهو متوسل بدعائه، وهذا جائز باتفاق. — انظر: شرح النووي على مسلم، الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي

٢ أدلة القرآن الكريم: المجيء للنبي لطلب الدعاء

القرآن الكريم يقر المشروعية في أصلها:

آية الاستغفار: قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) [النساء: ٦٤]. فالله أمرهم بالمجيء إلى النبي ﷺ لطلب الاستغفار منه، وأخبر أن هذا سبب للمغفرة. ولو كان هذا شركاً أو معصية لما أمر الله به.

قال القرطبي في تفسيره: «فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ طَلَبِ الدُّعَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ». — تفسير القرطبي (٥/٢٦٥)
قد يُقال: هذا خاص بحياة النبي ﷺ، أما بعد مماته فلا يجوز!

الجواب: الآية مطلقة، والسبب فيها عام (ظلموا أنفسهم)، ولم تذكر حياة النبي ﷺ شرطاً. وقد ثبت أن الصحابة بعد وفاته ﷺ قالوا: «يا رسول الله! استسقِ الله لأمتك» عند قبره (رواه البيهقي بإسناد صحيح). والنبي ﷺ حي في قبره حياة برزخية. ولأن الدعاء من الميت على قبره يجوز كالحي، بدليل أن النبي ﷺ أمر الصحابة أن يدعوا لأهل البقيع وهم أموات.

٣ أدلة السنة: توسل الصحابة بالنبي ﷺ

حديث الأعمى: عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال النبي ﷺ: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت». فقال: ادعه. فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي».

في هذا الحديث أدق صور التوسل: نداء النبي ﷺ بعد مماته (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي)، والطلب منه كوسيلة للشفاعة عند الله. والحديث صححه الترمذي والطبراني والحاكم والذهبي وابن حجر.

توسل الصحابة به ﷺ بعد وفاته: ثبت في البخاري أن عمر بن الخطاب توسل بالعباس بن عبد المطلب في الاستسقاء، وقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا». وهذا دليل أن التوسل بالنبي ﷺ كان معروفاً عندهم بعد وفاته.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «وَفِيهِ - أي حديث الأعمى - الْحَثُّ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ حَالٍ». — فتح الباري (١١/٢١٤)

٤ إجماع الأئمة الأربعة والعلماء عبر القرون

لم يختلف الأئمة الأربعة في جواز التوسل، والنصوص عنهم واضحة:

  • الإمام أبو حنيفة: نص في وصيته لأبي يوسف على جواز التوسل بالنبي ﷺ
  • الإمام مالك: لما سئل عن الدعاء عند قبر النبي ﷺ قال: «وما يمنعك من ذلك؟»
  • الإمام الشافعي: قال: «آل النبي ذريعتي وهمو إليه وسيلتي»
  • الإمام أحمد: صرح في «المنسك» للمروذي: «ويتوسل بالنبي ﷺ في دعائه»

وألف كبار العلماء رسائل خاصة في إثبات التوسل: السيوطي (خلاصة الكلام في التوسل بخير الأنام)، ابن حجر الهيتمي (الإمداد في التوسل بالعباد)، ابن تيمية نفسه أجاز التوسل بالنبي ﷺ (مجموع الفتاوى ١/٣٤٧) وإن كان خالف في مشروعيته بعد الموت.

قد يُقال: هذا توسل بذات النبي ﷺ، والعبادة لا تكون إلا لله!

الجواب: التوسل ليس عبادة للنبي، بل اعتراف بأن الله قد أكرم نبيه وجعله سبباً للهداية والرحمة، وطلب الدعاء أو الشفاعة من النبي أو الولي هو استعانة بمخلوق حي أو حي برزخياً على أمر يقدر عليه وهو الدعاء. وأنت تستعين بأخيك الحي في الدنيا أن يدعو لك، فهل هذا شرك؟ وإذا استعنت بطبيب (سبب) للشفاء هل تعبد الطبيب؟

٥ الدليل العقلي: قياس التوسل على الأسباب المادية

المنطق السليم يقرر أن التوسل ليس من باب العبادة بل من باب السببية:

المسلم حين يتوسل يعتقد يقيناً أن الله وحده هو الخالق الرازق النافع الضار، وأن النبي أو الولي مجرد سبب وشفيع. فهذا لا يختلف عن:

  • طلب الدعاء من أخيك الحي: تستعين به على الدعاء، وهو (سبب) في استجابة الله لك
  • الاستشفاء بالطبيب: تطلب منه العلاج مع علمك أن الشافي هو الله، والطبيب سبب
  • طلب الشفاعة: تطلب من شخص أكبر منك أن يشفع لك عند مسؤول، وهذا جائز شرعاً

فإن قيل: الدعاء عبادة لا تصرف لغير الله، قلنا: نحن نطلب الدعاء من المخلوق لا نعبده. فرق بين أن تقول «يا عبد الله ادع لي» وبين أن تقول «يا عبد الله أعطني المطر». الأول تسبب إلى الله، والثاني شرك في الربوبية.

قال الإمام أبو حامد الغزالي: «وَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: يَا فُلَانُ ادْعُ اللَّهَ لِي. وَهَذَا لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُعَانِدٌ». — إحياء علوم الدين
الموقف الصحيح والخلاصة
  • التوسل والاستغاثة بالأنبياء والأولياء جائز شرعاً بإجماع الأئمة الأربعة وجماهير العلماء سلفاً وخلفاً
  • الفرق بين التوسل والشرك هو: التوحيد قائم في القلب، والاعتماد على الله، واعتقاد أن المخلوق سبب لا خالق
  • الأدلة من القرآن والسنة صريحة في مشروعيته، ومن ذلك آية الاستغفار وحديث الأعمى وتوسل عمر بالعباس
  • لا يصح تبديع أو تكفير من يتوسل، فهذا قول مخالف لإجماع الأمة ومؤدٍ إلى تفريق صف المسلمين
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«التوسل ليس عبادة للنبي أو الولي، بل هو طلب دعاء أو شفاعة ممن هو سبب، وهذا جائز كطلبك الدعاء من أخيك. والصحابة توسلوا بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته، والأئمة الأربعة نصوا على جوازه. ومن جعل التوسل شركاً فقد خلط بين دعاء العبادة (الذي لا يصرف إلا لله) ودعاء السببية (طلب المساعدة من مخلوق على أمر يقدر عليه).»
×