جاري تحميل حكمة اليوم...

الرد على شبهة بدعية الاحتفال بالمولد النبوي

هل الاحتفال بمولد النبي ﷺ بدعة ضلالة؟ أم هو من أعظم القربات وأجل الطاعات؟

التصوف والممارسات ٧ دقائق مبتدئ دفع الشبهات

عرض الشبهة

يَقُولُ بَعْضُ المُنْكِرِينَ إِنَّ الاحْتِفَالَ بِمَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِدْعَةٌ ضَلَالَةٌ مُحَرَّمَةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنِ التَّابِعِينَ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِعُمُومِ حَدِيثِ (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ أُحْدِثَ بَعْدَ القُرُونِ المُفَضَّلَةِ عَلَى يَدِ الفَاطِمِيِّينَ فِي العَصْرِ العُبَيْدِيِّ.

— تنتشر هذه الشبهة عند من يفسر البدعة بالمعنى المنع الشامل لكل جديد
نُثْبِتُ بِالأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَشْرُوعِيَّةَ الاحْتِفَالِ بِالمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الفَرَحِ وَالشُّكْرِ للهِ عَلَى نِعْمَةِ الوُجُودِ المُحَمَّدِيِّ، وَأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ سَلَفاً وَخَلَفاً.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • الاحتفال بالمولد النبوي ليس عبادة مبتدعة، بل هو تعبير عن الفرح والسرور بميلاد النبي ﷺ
  • الأصل في إظهار الفرح بالمولد: صيام النبي ﷺ يوم الإثنين شكراً لله على ميلاده فيه
  • أجاز المولد واستحبه كبار حفاظ الحديث كابن حجر والسيوطي وابن حجر الهيتمي
  • المولد وسيلة لجمع الناس على الخير (قراءة سيرة، مدح، إطعام)، وهذه كلها مشروعة ومستحبة
  • البدعة المنهي عنها هي ما خالف أصول الشريعة، لا ما وافقها وجلب خيراً

١ أدلة القرآن الكريم: الفرح بنعمة الوجود المحمدي

الفرح برحمة الله: قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: ٥٨]. فسّر ابن عباس رحمه الله «فضل الله» بالعلم و«رحمته» بمحمد ﷺ. فالفرح بمحمد ﷺ هو فرح برحمة الله، وقد أمر الله به!

التذكير بأيام الله: قال تعالى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) [إبراهيم: ٥]. ويوم ولادة النبي ﷺ هو أعظم أيام الله، ويوم بعثته، ويوم هجرته، كلها أيام يُشرع تذكرها وإحياؤها.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: «وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالْفَرَحِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي قَوْلِهِ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) وَمُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ الرَّحْمَةُ». — لطائف المعارف (ص ٢٠١)
قد يُقال: الفرح مأمور به، لكن الاحتفال بيوم معين هو البدعة!

الجواب: تخصيص يوم للفرح لا يجعله بدعة، فالنبي ﷺ خصص يوم الإثنين للصيام شكراً لميلاده. والتخصيص بيوم ليس بدعة مادام الفعل المشتمل عليه مشروعاً في أصله. ويوم العيد أيضاً هو يوم معين للفرح، فهل العيد بدعة؟

٢ أدلة السنة: صيام الإثنين شكراً للولادة

أصل المولد في السنة: سُئل النبي ﷺ عن صيام يوم الإثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» (رواه مسلم). فهذا دليل أن إظهار الشكر لله على نعمة میلاده ﷺ مشروع، وأن يوم ميلاده له خصوصية ومزية.

فإذا كان النبي ﷺ يعظم يوم ميلاده بالصيام — وهو عبادة — فكيف يُنكر على من يعظمه بقراءة سيرته والصدقة والمدح والاجتماع على ذكر الله؟!

القدوة بالصحابة: كان الصحابة يجتمعون ويذكرون سيرة النبي ﷺ ويتبادلون الحديث عن مولده وأخلاقه. ولم يرد عن أحد منهم إنكار هذا.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «عَمَلُ المَوْلِدِ لَمْ يَرِدْ فِي السُّنَّةِ لَا بِوَضْعٍ وَلَا نَفْيٍ، وَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الْفَرَحِ وَالشُّكْرِ». — أورده الحافظ السيوطي في حسن المقصد

٣ إجماع العلماء والحفاظ عبر القرون

ألف كبار أئمة الإسلام رسائل خاصة في استحباب المولد النبوي:

  • الحافظ ابن حجر العسقلاني: قال في فتواه: (عمل المولد بدعة حسنة، وشاهدها من السنة صيام النبي ﷺ يوم الإثنين)
  • الحافظ جلال الدين السيوطي: ألف «حسن المقصد في عمل المولد» وأثبت سنيته بالأدلة القطعية
  • ابن حجر الهيتمي: نص على استحبابه في «الفتاوى الفقهية الكبرى»
  • الإمام النووي: أقر الاجتماع على الذكر والمديح في مناسبات الخير
  • ابن الجزري: قال: «الاجتماع لسماع قصة المولد من أعظم القربات»

وهؤلاء هم حفاظ الحديث وأئمة الفقه، فهل يُترك قولهم لقول من لا يرى في المولد إلا البدعة؟

قال الحافظ السيوطي: «عِنْدِي أَنَّ المَوْلِدَ النَّبَوِيَّ مِمَّا يُحْتَفَلُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ ﷺ وَإِظْهَارِ الْفَرَحِ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ». — حسن المقصد في عمل المولد

٤ النظر العقلي والمقاصدي: المولد وسيلة لا بدعة

المولد النبوي في جوهره وسيلة وليس غاية. وهو يجمع عدة مفردات كلها مأمور بها شرعاً:

  • قراءة السيرة النبوية: مأمور بها، قال ﷺ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي»
  • مدح النبي ﷺ: مشروع، وقد مدحه الصحابة كحسان بن ثابت
  • إطعام الطعام: من أعمال الخير والصدقة المندوبة
  • الاجتماع على الذكر: مشروع كما سبق في الأدلة
  • إظهار الفرح والسرور: مأمور به في قوله (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)

فإذا كانت هذه المفردات مشروعة منفردة فاجتماعها في مناسبة لا يحرمها. وما دام الفعل لا يخالف نصاً ولا يلغي حكماً، فالأصل فيه الإباحة بل الاستحباب إن تضمن خيراً.

قد يُقال: أول من أحدثه الفاطميون (العبيديون) وهم مبتدعة!

الجواب: حكم الفعل بذاته لا يتغير بفاعله. فالخير لو عمله فاسق لا يجعله شراً. وأيضاً هذا غير صحيح تاريخياً، فالاحتفال بالمولد كان معروفاً عند أهل السنة قبل الفاطميين، وأول من أحيا المولد هو الملك المظفر صاحب إربل (أبو سعيد كوكبوري) وكان عالماً تقياً، ووافقه على ذلك جماهير علماء عصره. والاعتبار بموافقة الفعل للشرع لا بمن فعله.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • الاحتفال بالمولد النبوي جائز شرعاً بل مستحب عند جماهير العلماء والحفاظ
  • الأدلة عليه من القرآن (الفرح برحمة الله) والسنة (صيام الإثنين) قوية ظاهرة
  • المولد وسيلة للخير وليس بدعة ضلالة، ومفرداته كلها مشروعة
  • الخلاف في المسألة سائغ، لكن الغلو في الإنكار والتكفير هو المذموم
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«المولد النبوي ليس عبادة مبتدعة بل هو تعبير عن الفرح بالنبي ﷺ، وقد أمر الله بالفرح برحمته ومحمد ﷺ رحمة. والنبي نفسه صام يوم الإثنين شكراً لله على ميلاده فيه، فمن احتفل بالمولد فإنما يتبع هذا المعنى. والبدعة ليست كل جديد، بل ما خالف أصول الشريعة، والمولد لا يخالفها بل يوافقها.»
×