جاري تحميل حكمة اليوم...

الرد على منكري التأويل

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

الرد على منكري التأويل

العقيدة والتنزيه ٦ دقائق متوسط

عرض الشبهة

ادعاء أن تأويل نصوص الصفات المخالفة للظاهر هو تشبه وتجسيم، وأن السلف لا يعرفون التأويل بل يمرون النصوص كما جاءت من غير تعرض لمعانيها، وأن القول بالتأويل التفصيلي بدعة مخالفة لمنهج السلف الصالح.

درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، تأويلات ابن فورك ومشكل الحديث
بيان أن التأويل أمر ثابت في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، وأن السلف أنفسهم أولوا بعض نصوص الصفات، وأن إنكار التأويل يؤدي إلى التشبيه والتجسيم أو إلى التعطيل والتفويض المطلق الذي لا تعرفه العرب.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • القرآن الكريم أثبت التأويل للراسخين في العلم في قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).
  • النبي ﷺ دعا لابن عباس فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، وهذا دليل صريح على جواز التأويل.
  • أجمع الصحابة والتابعون على تأويل بعض المتشابه، كتأويل (نزول الله) بنزول أمره ورحمته.
  • لغة العرب كلها قائمة على المجاز والتأويل، فكيف ينكرون تأويل النصوص الإلهية مع إقرارهم بالمجاز في كل باب لغوي؟

١ الأدلة من القرآن الكريم: آية التأويل وثبوته للراسخين

يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) [آل عمران: ٧].

هذه الآية من أعظم آيات التأويل. وقد اختلف العلماء في الوقف: فمن جعل الوقف عند (إلا الله) جعل التأويل مما استأثر الله به، ومن جعل الوقف عند (الراسخون في العلم) أثبت للراسخين علماً بالتأويل. وكلاهما قولان معتبران عن السلف. والأشاعرة يثبتون نوعين من التأويل: تأويل استئثاري لا يعلمه إلا الله (وهو الحقيقة التي لا يعلمها سواه)، وتأويل علمي يُستنبط بالاجتهاد (وهو صرف اللفظ من المعنى الراجح إلى المرجوح لدليل).

قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: «التأويل: تفسير الكلام وعلمه». وروي عن مجاهد أنه قال: «الراسخون في العلم يعلمون تأويله». وهذا صريح في أن التأويل مما يدخل في حدود العلم البشري بإذن الله. — تفسير الطبري ٦/١٨٩، تفسير ابن أبي حاتم ٢/٦٦٥
شبهة: السلف كانوا يمرون آيات الصفات كما جاءت بلا تأويل!

هذا صحيح في الجملة، لكن معناه أنهم كانوا يمرونها مع اعتقاد أن الله منزه عن ظاهرها الحسي. قال الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب». فهذا إثبات للمعنى الإجمالي (وهو الاستواء اللائق بالله) مع تفويض الكيف. وهذا هو عين التأويل الإجمالي الذي لا يخرج عن مذهب السلف.

٢ الأدلة من السنة المطهرة: دعاء النبي لابن عباس بالتأويل

قال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» (متفق عليه). وهذا الحديث الصحيح يحتج به على جواز التأويل من وجهين: أولاً: أن النبي ﷺ طلب من الله أن يعلم ابن عباس التأويل، ولو كان التأويل باطلاً أو بدعة لما دعا به النبي لابن عمه وأعلم الأمة. ثانياً: أن ابن عباس لما نشأ على هذا الدعاء صار ترجمان القرآن وأول من تصدى لتأويل المشكل من الآيات.

وقد أول ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) [الفجر: ٢٢] بأن المراد (جاء أمر ربك)، وقوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) [القلم: ٤٢] بأنها الشدة. وقال في قوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر: ١٤]: «سمعاً لقول الله». وهذا كله يدل على أن التأويل التفصيلي كان معروفاً عند الصحابة.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث: «والمراد بالتأويل: علم تفسير القرآن ومعرفة المتشابه وتأويله على ما يطابق التنزيل. وفيه فضيلة عظيمة لابن عباس، وإشارة إلى أنه يبلغ في العلم مبلغاً عظيماً». — فتح الباري ١/١٦٠
شبهة: التأويل في الحديث هو التفسير لا صرف اللفظ عن ظاهره!

التأويل في اصطلاح السلف يشمل معنيين: تفسير الكلام وبيان معناه (وهو الأعم)، وصرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لدليل (وهو الأخص). وكلا المعنيين ثابتان عن ابن عباس. فقد كان يفسر القرآن ويؤول المشكل منه، وهذا كله داخل في دعاء النبي ﷺ.

٣ أقوال سلف الأمة: إجماع الصحابة والتابعين على التأويل

لا يختلف اثنان من العلماء المحققين في أن الصحابة والتابعين أولوا بعض نصوص الصفات التي يوهم ظاهرها التشبيه. فعن ابن عباس في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥] قال: «استوى أي: ارتفع وعلا، وهو العلو اللائق به لا كعلو المخلوقين». وعن مجاهد تلميذ ابن عباس: «استوى: علا على العرش». وعن سفيان الثوري: «استوى: استقر».

وفي حديث النزول النبوي: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» قال الإمام أحمد في رواية المروذي: «نزوله ليس بنزول انتقال، إنما هو نزول أمره ورحمته». والإمام مالك قال في حديث النزول: «ينزل أمره، فأما هو فدائم لا يزول». والإمام ابن خزيمة الحنبلي مع تشدده في السنة قال: «إن تأويل الاستواء بالاستيلاء جائز». فالتأويل التفصيلي له سند قوي من أقوال السلف.

قال الإمام أبو حنيفة النعمان في وصيته: «لا نقول إنه على العرش استقر قبل خلق العرش، بل نقول: هو على العرش استواء بلا كيف، ولا نقول إنه ماس ولا مماس». وهذا كله تأويل إجمالي بنفي الاستقرار والمماسة عنه تعالى. — الوصية للإمام أبي حنيفة، ص ٥
شبهة: من أول فقد خالف منهج السلف في التفويض!

المنهج السلفي ليس منهجاً واحداً في التأويل. منهج التفويض الإجمالي (إمرار اللفظ مع اعتقاد التنزيه) ومنهج التأويل التفصيلي (صرف اللفظ عن ظاهره لدليل) كلاهما موجود عند السلف. فالخلاف بينهم إنما هو في أنسب طريق لبيان التنزيه، لا في أصل التنزيه نفسه الذي أجمعوا عليه.

٤ الدليل العقلي: لغة العرب كلها قائمة على المجاز والتأويل

لغة العرب لا تستقيم بدون التأويل. فنحن نقول: «نزل القاضي على المحكوم عليه» ولا يعني ذلك انتقالاً بدنياً للقاضي من السماء إلى الأرض، بل المراد مجيء حكمه وفصله في القضية. ونقول: «بنى الأمير المدينة» ولا يعني أنه وضع اللبن بيديه، بل أمر ببنائها. فالتأويل في لغة العرب ليس بدعة ولا غريباً، بل هو الأصل في كل كلام توسعي.

فإذا قلنا ﷺ في وصف الماء: «إنه طهور لا ينجسه شيء»، ثم قال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً»، فالتأويل هنا يوفق بين الحديثين بأن القلتين حد لمقدار الماء لا شرط لطهوريته. وكذلك آيات الصفات: إذا ورد (يد الله) و(وجه الله) و(استوى على العرش)، فإن الأصل في اللغة أن هذه اللفظة تحتمل الحقيقة والمجاز. والعقل القطعي (نفي التشبيه) يرجّح المجاز أو التفويض.

قال الإمام الجويني إمام الحرمين: «لغة العرب لا تقوم إلا على التجوز والاتساع، ومن حصر الكلام في الحقيقة المحضة فقد أبطل أكثر البلاغة وأغلق باب الفصاحة. والتأويل في نصوص الصفات ضرورة عقلية وشرعية لحفظ التوحيد». — البرهان في أصول الفقه ١/٣٥٠
شبهة: إذا جاز التأويل في صفة جاز في كل الصفات حتى يعطل الدين!

هذا تسلسل فاسد. التأويل له حدود وضوابط: ١) لا يصار إليه إلا عند تعذر المعنى الحقيقي أو استحالته في حق الله. ٢) لا يكون إلا بدليل قاطع من العقل أو النقل. ٣) لا يجوز تأويل النصوص القطعية المحكمة. ٤) لا يجوز التأويل بالهوى والرأي المجرد. فالتأويل عند أئمة الهدى ليس باباً مفتوحاً لكل متلاعب، بل هو علم له أصوله وقواعده.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • التأويل ثابت في القرآن والسنة، ودعاء النبي لابن عباس (وعلمه التأويل) دليل قاطع على جوازه وفضله.
  • السلف الصالح أولوا بعض نصوص الصفات التي يوهم ظاهرها التشبيه، وهذا محفوظ في دواوين التفسير والحديث.
  • لغة العرب كلها قائمة على المجاز والتأويل، فلا يستقيم فهم الوحي بدون إعمال قوانين البلاغة العربية.
  • التأويل له ضوابط محكمة عند العلماء تمنع العبث والتحريف، فلا خوف من فتح هذا الباب على مصراعيه.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«النبي ﷺ دعا لابن عباس قائلاً: "اللهم علمه التأويل"، فكيف يكون التأويل بدعة والنبي يطلب من الله تعليمه؟! وأئمة السلف كابن عباس ومجاهد أولوا آيات كقوله (وجاء ربك) أي وجاء أمر ربك. والتأويل عند المحققين صرف اللفظ عن ظاهره الحسي لدليل، لا تحريف للكلم عن مواضعه.»
×