جاري تحميل حكمة اليوم...

شبهة إنكار المجاز في القرآن الكريم

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

شبهة إنكار المجاز في القرآن الكريم

لغة وبلاغة ٥ دقائق متوسط

عرض الشبهة

نفي المجاز من اللغة العربية واعتبار القول بالمجاز بدعة وتكفير من قال به، وزعم أن القرآن يخلو من المجاز، وأن كل لفظة فيه يجب أن تُحمل على الحقيقة الحسية المتبادرة، وذلك بهدف إثبات ظواهر نصوص الصفات كالوجه واليد على المعنى الحسي.

أعيان البيان للكوثري
إثبات أن المجاز حقيقة لغوية ثابتة في القرآن والسنة وكلام العرب قاطبة، وأن إنكاره يؤدي إلى تحريف معاني القرآن واتهام النبي ﷺ بالغلو في التشبيه، وأن جماهير المفسرين وأئمة اللغة على إثباته.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • القرآن مليء بالمجاز كقوله (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أي أهلها، وقوله (جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ) على سبيل الاستعارة.
  • النبي ﷺ استعمل المجاز في أحاديثه كقوله (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) أي أنه بمنزلة اليمين.
  • الإمام الشافعي صرح بأن «العربية لسان المجاز»، وأئمة اللغة والتفسير كالطبري والزمخشري استعملوا المجاز في تفسيرهم.
  • إنكار المجاز يؤدي إلى نفي الفصاحة والبلاغة عن القرآن واتهام النبي ﷺ بالتشبيه الحسي للخالق.

١ الأدلة من القرآن الكريم: المجاز في كتاب الله

يقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) [الإسراء: ٢٤]. هل للإنسان جناح حقيقي يخفضه لوالديه؟ قطعاً لا. والمعنى: تواضع لهما وكن لهما ذليلاً رحيماً. فهذا مجاز استعاري بإجماع المفسرين. وكذلك قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) [يوسف: ٨٢]، فالمراد أهل القرية لا الجدران والأبنيّة.

وكذلك قوله تعالى: (جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ) [الكهف: ٧٧]، وقد أجمع المفسرون على أن إسناد الإرادة إلى الجدار مجاز عقلي استعاري، إذ الحقيقة أن الجدار مائل للسقوط. وقد أحصى العلماء في القرآن آلاف المواضع التي لا تستقيم إلا بالمجاز. قال السيوطي في الإتقان: «المجاز في القرآن أكثر من أن يحصى».

قال الإمام بدر الدين الزركشي: «لا يخلو كتاب الله عن المجاز، بل هو كثير جداً فيه، وإنكاره جهل بمقاصد العربية ومذاهب الفصحاء». — البرهان في علوم القرآن، ٢/٢٥٦
شبهة: لا مجاز في القرآن لأن الله أنزله باللسان العربي المبين والحقيقة هي الأصل!

نعم، الحقيقة هي الأصل، لكن (اللسان العربي المبين) نفسه لسان قائم على المجاز والاستعارة والتشبيه والكناية. فلو كان إنكار المجاز حقاً للزم ألا يفهم العرب خطاب الله أصلاً، لأنهم استعملوا المجاز في كل فنون كلامهم. قال الإمام الشافعي: «العربية لسان المجاز»، ويقصد أن أكثر أساليبها مبنية على التوسع في الاستعمال.

٢ الأدلة من السنة المطهرة: المجاز في كلام النبي ﷺ

قال النبي ﷺ: «الحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» (رواه ابن حبان والحاكم). وهل الحجر الأسود هو يد الله حقيقة؟ حاشا لله. بل المراد أن تقبيله واستلامه بمنزلة مصافحة الله تعالى، لأنه يمينه في الأرض أي بمنزلة اليمين في البيعة. وهذا مجاز واضح لا ينكره إلا من لا يفقه العربية.

وقال ﷺ في دعائه: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ» (رواه مسلم). والنبي ﷺ لا يقصد أن الله يصاحبه كما يصاحب البشر، بل هو مجاز عن المعية والحفظ والرعاية. فمن أنكر المجاز في كلام النبي ﷺ اضطر إلى حمل هذه النصوص على ظواهرها الحسية الممتنعة في حق الله تعالى.

في حديث «أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً» (متفق عليه)، فهمت زوجات النبي ﷺ (يداً) على الحقيقة فكن يقسن أيديهن بقصبة. فتبين أن المراد طول اليد في العطاء والصدقة. وهذا دليل على أن المجاز استعمال نبوي ثابت، وأن الفهم الحرفي يؤدي إلى الخطأ في مقصود الشارع. — متفق عليه، صحيح البخاري ومسلم
شبهة: النبي ﷺ كان أفصح العرب ولا يكلف أمته بالمجاز!

بل النبي ﷺ كان أفصح العرب وأعرفهم بأساليب البيان، وقد استعمل المجاز والاستعارة والكناية في كل أحاديثه. وهذا من إعجازه البياني لا من تكليف الأمة. فالعرب كانت تفهم المجاز بفطرتها السليمة، وإنما وقع الإشكال عند من نبزوا المجاز بدعة ونشأوا على غير السليقة العربية الأصيلة.

٣ أقوال سلف الأمة وأئمة اللغة: إجماعهم على إثبات المجاز

قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي: «العربية لسان المجاز، ولسان الاستعارة» (الرسالة ص ٤٢). وهذا نص صريح من إمام المذهب أن المجاز هو أصل في العربية لا تابع. والإمام الطبري في تفسيره يصرح بالمجاز في عشرات المواضع، فيقول عند قوله تعالى (جَنَاحَ الذُّلِّ): «هذا مثل ضربه الله، وليس للقلب جناح إنما هو الخضوع».

والزمخشري في الكشاف بنى تفسيره كله على أساس المجاز والاستعارة والكناية. والإمام أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط رد على منكر المجاز بقوله: «إنكار المجاز جهل باللغة ومكابرة للعيان». وحتى ابن تيمية نفسه لم ينكر وجود المجاز في اللغة بل قال: «التجوز في الإفراديات قليل، وأما في المعاني المركبة فكثير». فمن أين أتى منكرو المجاز بهذا التشدد المخالف للجماهير؟

قال الإمام ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: «العرب تطلق اللفظ على الشيء وعلى غيره إذا كان بينهما مناسبة واتصال، وتسمي الشيء باسم صاحبه إذا كان معه في سبب، وهذا كله سائغ في كلامهم». — تأويل مشكل القرآن، ص ٩٥
شبهة: المجاز مصطلح محدث لم يعرفه السلف!

هذه مغالطة تاريخية. لفظ (المجاز) استعمله سيبويه إمام النحاة (١٨٠هـ) في كتابه، والشافعي (٢٠٤هـ) قبله، وأبو عبيدة معمر بن المثنى (٢٠٩هـ) في كتابه «مجاز القرآن»، وهو من أقدم كتب التفسير. فكيف يقال إنه مصطلح محدث؟! إن منكري المجاز هم المحدثون في الحقيقة، أما إثبات المجاز فمنقول عن صدر الأمة وأئمة اللغة.

٤ الدليل العقلي: إنكار المجاز يؤدي إلى نفي الفصاحة والبلاغة

إذا أنكرنا المجاز في القرآن، لزمنا أن نحمل قوله تعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً) [الإسراء: ٧٢] على العمى الحسي البصري. وهذا باطل قطعاً، لأن الله لا يعذب أحداً على العمى الحسي، بل المراد عمى القلب والبصيرة. فالآية لا تستقيم دلالتها إلا بالمجاز.

وكذلك قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: ٦٤] لو حملناه على اليد الحسية الجارحة لزم التشبيه والتجسيم. وإنكار المجاز هنا إما أن يؤدي إلى التشبيه (لأن اليد ستُحمل على الحقيقة الحسية) أو إلى التفويض المجرد الذي يفرغ اللفظ من معناه. أما القول بالمجاز فيحفظ اللفظ والمعنى مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.

قال الشيخ أبو منصور الثعالبي: «لو لم يكن المجاز لكان أكثر كلام العرب هذراً ولغواً، لأن من قالت له: (رأيت أسداً يرمي) تطلب منه معنى حقيقياً يمتنع عقلاً. والمجاز هو الذي يحفظ للغة مرونتها وقدرتها على التعبير عن المعاني المجردة». — فقه اللغة وسر العربية، ص ٥١
شبهة: الاعتراف بالمجاز يفتح باب التأويلات الفاسدة!

العبرة ليست بوجود المجاز، بل بضوابطه. المجاز له قوانين وشروط عند العلماء كالحقيقة اللغوية والعلاقة المناسبة والقرينة الصارفة. فليس كل أحد يتأول كيف شاء. والشريعة منعت اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة، وهذا لا يعني نفي وجود المتشابه. فالمجاز ثابت مع وجود ضوابط تحكم استعماله.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • المجاز حقيقة لغوية ثابتة في القرآن والسنة وكلام العرب، ولا يمكن إنكاره إلا بمكابرة.
  • جماهير أئمة اللغة والتفسير من السلف إلى الخلف على إثبات المجاز واستعماله في تفسير الوحي.
  • إنكار المجاز يؤدي إلى التشبيه والتجسيم في آيات الصفات، أو إلى التفويض المعطل.
  • القول بالمجاز لا يعني اطراح الضوابط، فالعلماء وضعوا قوانين محكمة لاستعماله لا تتجاوز مقاصد الشريعة.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«المجاز ثابت في القرآن كله، قال الشافعي: "العربية لسان المجاز"، وقال السيوطي: "المجاز في القرآن أكثر من أن يحصى". وإنكار المجاز يؤدي إلى التشبيه في آيات الصفات كالوجه واليد، أو إلى تعطيل النصوص. فالقول بالمجاز مع الضوابط هو عين المنهج السلفي الذي عليه جماهير الأمة.»
×