جاري تحميل حكمة اليوم...

شبهة أن الأشاعرة ينفون صفات الله (معطلة)

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

شبهة أن الأشاعرة ينفون صفات الله (معطلة)

العقيدة والتنزيه ٥ دقائق متوسط

عرض الشبهة

اتهام الأشاعرة بنفي الصفات الإلهية، أو ما يُعرف بالتعطيل، بدعوى أنهم إذا تأولوا اليد بمعنى القدرة، والوجه بمعنى الذات، والاستواء بمعنى الاستيلاء، فإنما يفرغون ذات الله من معاني الكمال ويتشبهون بالجهمية الذين أنكروا الصفات جملة.

الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي
بيان أن الأشاعرة يثبتون لله جميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه، وينفون عنها مشابهة المخلوقات، وأنهم لم يعطلوا صفة واحدة بل أولوها على الوجه اللائق بالله، وأن التعطيل الحقيقي هو نفي الصفات جملة كفعل الجهمية.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • الأشاعرة يثبتون لله سبع صفات ذاتية: الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، وهذا هو أصل إيمانهم بالصفات.
  • الأشاعرة يثبتون الصفات الفعلية كالاستواء والمجيء والنزول لكن مع تأويلها أو تفويض معناها الحسي.
  • التعطيل الحقيقي هو تعطيل الجهمية الذين نفوا الصفات جملة وقالوا بخلق القرآن.
  • الفرق بين الأشاعرة والمجسمة: الأشاعرة يثبتون المعنى اللائق بالله، والمجسمة يثبتون المعنى الحسي الممتنع.

١ الأدلة من القرآن الكريم: نفي المماثلة مع إثبات الصفات

يقول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: ١١]. هذه الآية جمعت بين نفي المماثلة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وإثبات الصفات (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وهذا هو عين مذهب الأشاعرة: إثبات الصفات مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات. فالسمع عندهم ليس كسمع المخلوقين، والبصر ليس كبصرهم.

فالأشاعرة لم يعطلوا السمع والبصر، بل أثبتوهما لله على الوجه اللائق به. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: «إن لله علماً وقدرة وحياة وسمعاً وبصراً وإرادة وكلاماً، وهذه الصفات قديمة قائمة بذاته، لا نقول إنها هو ولا إنها غيره». فهل هذا كلام معطل؟! إنه عين إثبات الصفات مع تنزيهها عن مشابهة صفات المخلوقين.

قال الإمام أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين: «أجمع أهل الحق على إثبات الصفات لله تعالى: العلم، القدرة، الإرادة، الحياة، السمع، البصر، الكلام، وأنها صفات قديمة قائمة بذاته لا تشبه صفات الخلق». — مقالات الإسلاميين ١/٢٩٠
شبهة: تأويل اليد بالقدرة والوجه بالذات تعطيل لصفات الله!

تأويل اليد بالقدرة ليس تعطيلاً، بل هو إثبات للمعنى مع تنزيه الله عن الجوارح. فاليد في لغة العرب تأتي بمعنى القدرة والنعمة والسلطان، كما في قوله تعالى: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) أي بقوة. والأشاعرة حين يؤولون اليد بالقدرة إنما يختارون معنى لغة ثابتاً لا يحوج إلى إثبات جارحة لله، وهذا من كمال التنزيه لا من التعطيل.

٢ الأدلة من السنة المطهرة: نفي المماثلة في الأحاديث النبوية

قال النبي ﷺ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (رواه البخاري). والنبي ﷺ أفضل من يونس بلا شك عند جميع الأمة. لكنه نفى التفصيل عن نفسه ليبين أن التفاضل عند الله ليس كتفاضل الناس. وهذا شبيه بنفي المماثلة في حق الله: فهو نفي للتفضيل بمعنى أن التفضيل الحقيقي ليس كتفضيل البشر، لا أنه نفي لأصل الفضل.

وكذلك الحديث الصحيح: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» (رواه مسلم). فهذا الحديث ينفي (فوقية المكان) لأن قوله (فليس فوقك شيء) يتعارض مع إثبات جهة الفوق لله. فالأشاعرة يتمسكون به وبأمثاله في نفي المكان والجهة عن الله.

قال الإمام النووي في شرح الحديث: «فليس فوقك شيء أي في المعنى والمكانة لا في الجهة والمكان، لأن الله منزه عن المكان والجهة». وهذا عين ما يقوله الأشاعرة: إن الفوقية ليست فوقية مكان بل فوقية قهر وجلال. — شرح النووي على مسلم ١٧/٢٩
شبهة: أحاديث العلو والفوقية دالة على علو الله بذاته!

نحن نؤمن بعلو الله المطلق، لكن العلو ليس علو مكان وجهة. قال الله: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) والعلو هنا علو قدر وقهر لا علو مكان. والدليل: أنه لو كان العلو مكانياً لكان ما فوق العرش أعلى من الله، وهذا باطل. ولو كان علو الله مكانياً لكان لله حدود ينتهي إليها، وهذا تشبيه للمخلوقات. فإثبات العلو المعنوي هو عين التنزيه.

٣ أقوال سلف الأمة: إثبات الصفات مع التنزيه

قال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة): «إن لله وجهاً بلا كيف، ويدين بلا كيف، واستواء بلا كيف». فهذه العبارة لو قالها إمام من أئمة السلف لوجدت من يقبلها. فالأشعري يثبت الوجه واليد والاستواء لكنه ينفي عنها الكيفية والتشبيه. أليس هذا هو نفس قول الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول»؟!

وأئمة المذهب الأشعري كالباقلاني والجويني والغزالي والرازي كلهم أثبتوا الصفات السبع الذاتية (العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، الحياة) بل وأثبتوا الصفات الفعلية الخبرية كالاستواء والمجيء والوجه واليدين لكن بعد تأويلها أو تفويض معناها الحسي. فأي تعطيل في هذا؟ إنما التعطيل الحقيقي هو تعطيل الجهمية الذين قالوا: لا يد لله، لا سمع لله، لا بصر لله، لا كلام لله.

قال الإمام الغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد: «اعلم أن إثبات الصفات لله تعالى إنما يكون على طريقين: إما بإثبات ما أثبته الله ورسوله من غير تشبيه، وإما بنفي ما نفاه الله عن نفسه من غير تعطيل. وهذا هو مذهب أهل الحق الذي نصرناه في جميع كتبنا». — الاقتصاد في الاعتقاد، ص ٣٠
شبهة: إثبات الصفات السبع فقط دون الخبرية تعطيل!

الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية (الوجه، اليد، العين، الساق، إلخ) لكنهم يختلفون في طريقة إثباتها. منهم من يؤولها (كالأكثرين) ومنهم من يفوض معناها (كالمتقدمين). فليس هناك من الأشاعرة من أنكر ورود هذه الصفات أو نفاها جملة. فالقول بأنهم معطلة جهل بمذهبهم وتاريخهم العقدي.

٤ الدليل العقلي: الفرق بين التعطيل والتنزيه

التعطيل على ثلاثة أنواع: تعطيل الجهمية (نفي الصفات جملة)، تعطيل المشركين (نفي الخالق أصلاً)، وتعطيل المبتدعة (نفي بعض الصفات دون بعض). أما الأشاعرة فلم يعطلوا شيئاً من الصفات بل أثبتوا جميع ما ثبت في الكتاب والسنة لكن على الوجه اللائق بالله. فإثبات اليد لله مع نفي الجارحية ليس تعطيلاً، بل هو تنزيه.

فالمجسم يثبت اليد جارحة ويقول (بلا كيف) متناقضاً لأن الجارحية كيف بذاتها. والمعطل (الجهمي) ينفي اليد بالكلية. أما الأشعري فيثبت اليد صفة حقيقية لله لكنه يؤولها بالقدرة أو يثبتها بلا تشبيه نافياً عنها معنى الجارحة. وأي الفرقين أشبه بالحق؟ الذي يوافق ما دلت عليه الآية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مع إثبات الصفات.

قال الإمام فخر الدين الرازي: «من أثبت لله صفة تثبت للمخلوقين بتمامها فقد شبه، ومن نفاها بالكلية فقد عطل، والحق إثبات الصفات مع نفي التشبيه، وذلك بإثبات المعنى دون الكيفية». — تأسيس التقديس، ص ٨٨
شبهة: بين الإثبات والتنزيه لا يبقى للصفة معنى!

بل يبقى لها معنى حقيقي. نحن نثبت لله يداً لكن لا نعرف كيفيتها. ومعلوم أن (اليد) في لغة العرب تأتي بمعنى (القدرة) والنعمة والسلطان، وهذه معان حقيقية لا مجازية بالمعنى الاصطلاحي الحادث. فنحن نثبت لله يداً بمعنى قدرة تليق بجلاله، وهذا أولى من إثبات يد جارحة تشبه أيدي المخلوقين. فأي المعنيين أولى بالله وأليق بعظمته؟

الموقف الصحيح والخلاصة
  • الأشاعرة يثبتون لله جميع الصفات التي أثبتها الله ورسوله، ولا يعطلون منها شيئاً.
  • التعطيل الحقيقي هو نفي الصفات جملة كفعل الجهمية، وليس تأويلها بما يليق بالله.
  • الأشاعرة يثبتون الصفات السبع الذاتية (العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، الحياة) والصفات الخبرية بعد تنزيهها عن مشابهة الخلق.
  • منهج (إثبات المعنى دون الكيفية) هو منهج السلف في التفويض، وهو عين ما يقوله كبار أئمة الأشاعرة.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«الأشاعرة يثبتون لله كل الصفات التي أثبتها لنفسه، من علم وقدرة وإرادة وسمع وبصر وكلام وحياة، ويقولون باليد والوجه والاستواء لكن مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات. والتعطيل الحقيقي هو نفي الصفات جملة كفعل الجهمية. فمن قال إن الأشاعرة معطلة فقد جهل مذهبهم وتاريخهم العقدي.»
×