براءة فضلاء الحنابلة من عقائد التجسيم
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
ادعاء أن مذهب الأشاعرة هو خروج عن مذهب السلف وأن العقيدة الصحيحة هي عقيدة الحنابلة فقط دون غيرهم، مع نسبة التجسيم والحد لكل من ينتسب إلى المذهب الحنبلي، وزعم أن القائلين بالتنزيه على طريقة الأشاعرة قد خالفوا السلف الصالح.
قطاف الغامدييقول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: ١١]. هذه الآية المحكمة هي الفارقة بين التوحيد والتشبيه، وقد جعلها الإمام أحمد بن حنبل عمدة في باب الصفات، حيث كان يكررها كلما سئل عن آيات الصفات. فنفي المماثلة عن الله تعالى هو أساس التنزيه الذي قامت عليه عقيدة السواد الأعظم.
قال الإمام أحمد في رواية حنبل بن إسحاق: «لا تشبه الله بشيء من خلقه، ولا تشبه خلقه بالله، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر». والقرآن الكريم حافل بآيات التنزيه التي ترد على المجسمة، كقوله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) [الإخلاص: ٤]، وقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافات: ١٨٠].
هذه المغالطة نشأت من الخلط بين (الظاهر اللغوي) و(الظاهر الحسي). السلف كانوا يقرون ألفاظ الصفات ويمرونها مع نفي الكيفية والتشبيه. قال الإمام أحمد: «نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى» (رواه الخلال في السنة). فإمرار اللفظ مع نفي الكيف هو عين مذهب الأشاعرة لا ضده.
قال النبي ﷺ: «لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» (رواه الترمذي وابن ماجه). وقد انعقد إجماع الأمة عبر القرون على مذهب التنزيه الذي صاغه الإمام أبو الحسن الأشعري والأئمة من بعده. فمن زعم أن الأمة بأسرها ضلت وأن الحق في عقيدة خاصة بفئة واحدة فقد خرج عن هذا الحديث النبوي الصحيح.
وقال ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» (رواه ابن ماجه وصححه السيوطي). والسواد الأعظم هم جماهير الأمة من المفسرين والفقهاء والمحدثين المتكلمين الذين درجوا على منهج التنزيه والتأويل التفصيلي لبعض النصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه.
هذا تحكم في مفهوم (السواد الأعظم) لم يقله أحد من العلماء المحققين. أئمة المذاهب الأربعة وجماهير الفقهاء والمحدثين كالنووي وابن حجر والعراقي وابن خزيمة الحنبلي والقاضي عياض كلهم على التنزيه. فمن هم السواد الأعظم الحقيقي؟ إنهم جمهور علماء الإسلام عبر القرون، لا طائفة محدودة في عصر متأخر.
يكفي أن نذكر أن الإمام أبا حنيفة النعمان قال في وصيته: «لا نصف الله بصفات المخلوقين، ولا نقول إنه على العرش استقر قبل خلق العرش». والإمام مالك بن أنس قال حين سئل عن كيفية الاستواء: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». والإمام الشافعي قال: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله». والإمام أحمد بن حنبل نفسه قال: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، لا نتجاوز القرآن والحديث».
أما أئمة الحنابلة من بعده: فالإمام ابن الجوزي الحنبلي (٥٩٧هـ) ألف كتابه الشهير «دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه» وفيه يقول: «اعلموا أن الله ليس بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا محدود». والإمام ابن عقيل الحنبلي (٥١٣هـ) قال: «من قال إن الله في جهة فقد افترى». والإمام القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي (٤٥٨هـ) له كتاب «إبطال التأويلات» الذي سار فيه على منهج التفويض.
هذه مغالطة تاريخية. ابن الجوزي وابن عقيل هما من كبار أئمة الحنابلة الذين يُعتمد على قولهم في المذهب. فلو كان قولهم خروجاً عن المذهب، لكان المذهب الحنبلي اليوم هو مذهب المجسمة الذين كفرهم الأئمة. والحقيقة أن المذهب الحنبلي في أصوله الكبار هو مذهب تنزيه وتقديس، والنزعة التجسيمية إنما دخلته من متأخري الحنابلة الذين تأثروا ببعض كتب الكرامية والمشبهة.
قال الإمام أحمد في رواية حرب الكرماني: «لا ننكر أن يكون الله من فوق أو تحت، أو على العرش أو غير ذلك، إن الله ليس كمثله شيء، لا يُشبه خلقه، ولا يخلو منه مكان، ولا يحويه مكان». لاحظ أن الإمام أحمد أطلق (فوق) و(تحت) معاً ليعبر عن مطلق العلو لا عن جهة معينة، ثم ضبط ذلك بقوله «لا يحويه مكان». وهذا هو عين ما يقوله الأشاعرة: إن العلو علو مطلق لا علو مكاني جهوي.
فلو كان الإمام أحمد يعتقد أن الله جسم في جهة لما أطلق (تحت) أصلاً. لكنه أطلق العبارتين معاً دلالة على أن مراده العلو المعنوي الذي لا يُدرك بالحواس. وهذه الدقة في التعبير هي التي حمل عليها الأشاعرة كلام الإمام أحمد حين أولوا الفوقية بعلو الشأن والقدر والجلال لا بعلو المكان والجهة.
هذه دعوى تحتاج إلى تحرير. الإمام أحمد كان يمتنع عن الخوض في التأويل التفصيلي ويقول في كل صفة: «نؤمن بها كما جاءت ولا نؤولها». وهذا التفويض الإجمالي لا ينافي التأويل التفصيلي عند من يقول به من أئمة السلف. بل إن بعض أئمة الحنابلة كالقاضي أبي يعلى ألف في التأويل التفصيلي لبعض الصفات. فالمسألة خلافية بين السلف أنفسهم، لا بين السلف والأشاعرة.