جاري تحميل حكمة اليوم...

شبهة أن الأشاعرة يقولون بخلق القرآن

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

شبهة أن الأشاعرة يقولون بخلق القرآن

العقيدة والتنزيه ٥ دقائق متوسط

عرض الشبهة

اتهام الأشاعرة بأنهم يقولون بخلق القرآن أو يوافقون المعتزلة في مسألة خلق الكلام الإلهي، وأن كلام الله عندهم صفة حادثة مخلوقة لا صفة قديمة قائمة بذات الله.

مأخوذ من كتب الحنابلة والسلفية الجدد
إيضاح الفرق الجوهري بين كلام الله القديم الأزلي (صفة من صفاته) وبين الحروف والأصوات والقراءات المخلوقة التي نسمعها ونقرأها، وأن الأشاعرة لا يقولون بخلق القرآن ولا بقدم الحروف.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • القرآن يصف القرآن بأنه كلام الله وصفته القديمة: (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ).
  • الاستعاذة بكلمات الله التامات تدل على قدمها وعدم خلوقيتها.
  • الأشاعرة فرّقوا بين الكلام النفسي القديم (صفة الله) والألفاظ المسموعة المخلوقة، وهذا التفريق منهج صحيح لا يخالف السلف.
  • لو قلنا بقدم الحروف والأصوات للزم تعدد القدماء، فالتلاوة حادثة والمعنى الإلهي قديم.

١ القرآن يصف كلام الله بأنه صفة قديمة

قال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، فالقرآن هنا صفة من صفات الله التي علم بها عباده، والصفة قائمة بذات الله ولا تُ منفصلة عن ذاته. والرحمن هو المتصف بصفة الرحمة المطلقة، فكيف يُقال إنه خلق كلامه الذي هو صفة من صفاته؟

كما قال تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، فالكلام هنا صفة فِعلية لله تعالى قائمة بذاته، لا صفة حادثة منفصلة عنه. فالأشاعرة يؤمنون بأن كلام الله صفة أزلية قائمة بذاته تعالى.

(الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ) — القرآن صفة من صفات الله التي لا تُ فصل عن ذاته، ولا يمكن أن تكون مخلوقة لأن الصفات أزلية كذات الله. — سورة الرحمن، آية ١-٤
احتمال الاعتراض: القرآن نزل في زمان معين فهو حادث

هذا خلط بين القرآن ككلام الله القديم وبين نزوله على النبي ﷺ؛ فالنزول كان في زمان معين، لكن الكلام الذي نزل هو كلام الله القديم الذي كان قائماً بذاته قبل النزول. والفرق بين الكسب والخلق واضح؛ فالنبي ﷺ كان كاسباً لكلام الله لا خالقاً له.

٢ الاستعاذة بكلمات الله على عدم خلوقيتها

ثابت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ كان يستعيذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ ففي صحيح مسلم: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ومنطوق الحديث يدل على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ فإذ قال: (من شر ما خلق) دلّ على أن كلمات الله لم تُخلَق.

كما في حديث: (ما تقرب العبد إلى الله بمثل ما خرج منه)، قال ابن حجر في (فتح الباري): المراد بالذي يخرج من العبد القرآن الكريم، فالقرآن كلام الله الذي يقرأه العبد يقربه من الله، وهذا لا يصح إلا إذا كان كلام الله صفة قائمة بذاته لا مخلوقة.

(أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) — كلمة (ما) تشمل كل مخلوق، وكلمات الله ليست من المخلوقات. — صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة
احتمال الاعتراض: المراد بالكلمات هي الألفاظ التي نقولها

هذا صحيح من حيث الظاهر؛ فالألفاظ التي نقولها عند الاستعاذة حادثة مخلوقة بالفعل، لكن المراد منها هي المعاني الإلهية التي تدلّ عليها، وهي كلام الله القديم غير المخلوق. فالتفريق بين المعنى القديم واللفظ الحادث هو المنهج السني السلفي الذي يصون العقيدة من المتناقضات.

٣ منهج الأشاعرة في التفريق بين الكلام النفسي واللفظي

فرّق الأشاعرة بين نوعين من الكلام حمايةً للعقيدة: النوع الأول هو الكلام النفسي وهو صفة الله القديمة القائمة بذاته تعالى، والتي لا تتجزأ ولا تتركب من حروف وأصوات؛ وهذا القديم لا ينفكّ عنه أبداً. والنوع الثاني هو الألفاظ المتلوة والمكتوبة بحبر وورق وألسنة البشر وهي مخلوقة قطعاً.

وقال البيهقي والغزالي: كلام الله صفة قائمة بذاته وهو قديم، وأما الحروف والأصوات فهي حادثة. فالتلاوة والأصوات مخلوقة، والمعنى الإلهي القائم بالذات هو كلام الله الذي لا يُخلَق ولا يتغير. والقرآن يطلق على كلام الله القديم غير المخلوق في الحقيقة، وأما التلاوة فهي تعبير حادث يدلّ على الكلام القديم.

البيهقي في (الأسماء والصفات): كلام الله تعالى صفة قديمة قائمة بذاته، لا يجوز أن يُقال إنه حادث أو مخلوق. — الأسماء والصفات للبيهقي
احتمال الاعتراض: هذا يشبه قول المعتزلة بالكلام النفسي

التشبه ظاهري لا حقيقي؛ فالمعتزلة يقولون إن كلام الله لا يخرج عن النفس أبداً وأنه صفة غير قائمة بذاته، بل هو فعل الاختيار. أما الأشاعرة فيقولون إنه صفة قائمة بذاته تعالى قديمة مع كمال الإرادة والعلم، وهذا أبعد ما يكون عن المعتزلة.

٤ استحالة قدم الحروف والأصوات

لو قلنا إن الأصوات التي فيها تقديم وتأخير (كقراءة البسملة والحمد) قديمة، للزم تعدد القدماء؛ فالصوت الأول يسبق الثاني والثالث، وهذا يستلزم تسلسل في القدم وهو محال عقلاً. لذلك الحق هو أن صفة الكلام لله قديمة أزلية لا تتغير، وما نقرأه هو تعبير حادث يدلّ على الكلام القديم بدقة متناهية.

وأيضاً فإن الحروف والأصوات مادة مسموعة تتشكل في الهواء وتنتقل عبر الموجات الصوتية، وهي من صفات المخلوقات لا من صفات الخالق. والله تعالى أجمع من أن يوصف بالصوت والحرف فضلاً عن أن يُقال إنه قديم.

لو قُبل قدم الحروف والأصوات لزم تسلسل الحوادث؛ لأن الصوت يتبع صوتاً إلى غير نهاية، وهذا باطل عقلاً. فالحق أن المعنى الإلهي قديم والتلاوة حادثة. — متأثر بمباحث الأصول عند الأشاعرة
احتمال الاعتراض: نحن لا نقول بقدم الأصوات بل بقدم المعنى فقط

إذا قلت إن المعنى فقط قديم وأن التلاوة والقرآن المكتوب مخلوق، فقد وقعت في قول المعتزلة الذين يقولون إن القرآن مخلوق. فالأشاعرة يقولون إن كلام الله القديم هو المعنى القائم بالذات، والقرآن المتلو هو كلام الله أيضاً لكنه تعبير حادث يدلّ على الكلام القديم ويدلّ عليه.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • الأشاعرة لا يقولون بخلق القرآن بل يقولون إن كلام الله صفة قديمة قائمة بذاته.
  • الفرقة بين الكلام النفسي القديم والألفاظ المخلوقة فرق صحيح مبني على فهم عميق للنصوص.
  • الاستعاذة بكلمات الله التامات من شر ما خلق تدل على عدم خلوقية كلام الله.
  • لو قلنا بقدم الحروف والأصوات للزم تسلسل الحوادث وهو محال.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
الأشاعرة يقولون إن كلام الله صفة قديمة قائمة بذاته لا مخلوقة. الاستعاذة بكلمات الله (من شر ما خلق) تدل على أن كلماته ليست مخلوقة. نحن نؤمن بأن القرآن كلام الله قديم، والتلاوة تعبير حادث يدلّ عليه.
×