شبهة تقديم العقل على النقل عند الأشاعرة
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
ادعاء أن تقديم العقل على النقل في تأويل الصفات هو تقديم للفلسفة اليونانية على الوحي، وأن الأشاعرة والماتريدة عقلانيون متأثرون بالفلسفة يرفضون النصوص الشرعية ويجعلون العقل حكماً فوق الكتاب والسنة.
مأخوذ من كتب بعض الحنابلة والمجسمة المعاصرةنزل القرآن بلسان عربي مبين يخاطب العقول والبصائر، ولم يكتفِ بالتبشير والإنذار بل حضّ على التدبر والتفكّر والنظر العقلي. فالعقيدة الإسلامية كلها مبنية على أدلّة عقلية أصيلة؛ فعلم الكمال المطلق والوحدانية يُستفادة بالبرهان العقلي الرصين قبل أن يُؤيّده النقل، قال تعالى: (أَفَلَا تَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
كما قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، فالدعوة على بصيرة عقلية ونقلية معاً. ثم قال: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) و(أَفَلَا تَعْقِلُونَ) و(إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، كلها آيات صريحة تجعل التدبر العقلي شرطاً لفهم القرآن لا منافساً له.
هذا اعتراض ساذج؛ فالأشاعرة لم يأتوا بالفلسفة اليونانية كأصل للדעות بل اتخذوا أداة النظر العقلي المنضبط بالأدلة النقلية. والفرق بين من يقول «أُعِضّد النص ببرهان عقلي صريح» ومن يقول «أستبدل النص بالبرهان الفلسفي» فارقٌ بيّن. فالأشاعرة يضعون العقل تابعاً للنقل لا سيداً عليه.
ورد في الحديث النبوي ما يدلّ على أن الله أعطى كل نبيّ قدرة على الاستدلال العقلي؛ ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله نبياً إلا أعطى من الحسن ما يكتفي به)، ومن ذلك الحسن ما يتولى منه القياس العقلي الصحيح في فهم النصوص الشرعية.
كما في الحديث الصحيح: (البرّ حُسن الخلق، والإثم ما حاكّ في صدرك وكرهت أن يعلم به الناس). هنا استخدم النبي ﷺ معياراً عقلياً داخلياً وهو الإحساس الداخلي بالحرج، وهذا منهج عقلي نقيّ يربط بين الشرع والبصيرة، لا ينفي أصل العقل بل يُعمّله.
هذا خلط؛ فالقياس العقلي في العقيدة ليس بالمعنى الاصطلاحي المقيّد بالأحكام الفرعية، بل هو الاستنباط العقلي العام الذي استعمله الصحابة والتابعون في إثبات التوحيد ونفي التشبيه. فالإمام أحمد قال في نصوص الصفات: (نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى)، وهذا تعليق بالإيمان بالمعنى اللائق بالله لا بالكيفية الحسية، وهو استدلال عقلي بحت.
من أكاذيب التغريب أن يُقال إن السلف لم يستعملوا العقل في العقائد؛ فالإمام أبو حنيفة رحمه الله كتب «العقيدة» التي استدل فيها بالبراهين العقلية على وحدانية الله وتنزيهه عن الشبيه، وقال: (من عبّر عن صفات الله بما وصف الله به نفسه فقد عرفه، ومن أضاف إليه ما تنزه عنه فقد كفر).
والإمام الشافعي نفسه قدّم العقل في مسائل الصفات حين نفى التشبيه بالاستدلال بأن صفات الله لا تُقاس بصفات المخلوقين؛ فالاستواء عنده علو وارتفاع لا جلوس ومماسة، وهو ما رواه البخاري عن ابن عباس في تفسير الاستواء. والرازي والآمدي قدّما القاعدة الذهبية: (إذا تعارض العقل القطعي مع النقل الظني، يُؤول النقل)، وهذا ليس قدحاً في النقل بل صونٌ له من التأويلات الحرفية التي تنقض مقاصده.
السلفية الحقيقية ليست بالحرفية كما يدّعيها بعض الجدد؛ فالإمام مالك قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وهذا يعني أن مالكاً فهم معنى الاستواء أي العلو والرفعة، لكنه فوض كيفيته لله. فالسلف جميعاً قدّموا العقل في فهم المعنى وفقه اللائق بالله، ورفضوا الكيفية الحسية.
المتأمل في منهج الصحابة يجد أنهم كانوا يجمعون بين العقل والنقل في آن واحد؛ فعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سُئل عن القدر قال: (إنّي لأعلم علمك هذا وعلمك هذا، والله لقد سألت النبي ﷺ عن هذا فقال: «الحمد لله الذي قوّى برأيي ما أبطل برأيه أهل الكتاب»)، فهذا هو المنهج العقلي النقلي السليم.
أما تقديم النقل الحرفي على العقلي الصريح فيوقع في تناقضات ظاهرة؛ فمن قال إن الله (جلس على العرش) قدّم ظاهر اللفظ على المعنى اللائق بالله، وهذا يُوقع في التجسيم الذي نفاه القرآن بقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). فالأشاعرة حين أوّلوا الصفات بما يلائم كمال الله، اتّبعوا منهج السلف في الجمع بين نفي التشبيه وإثبات الصفات.
هذا صحيح؛ ولم يقل أحد من الأشاعرة إن العقل كافٍ وحده. بل هم يقولون إن العقل يدلّ على أصول معينة مثل وحدانية الله وتنزيهه، ثم يأتي النقل فيبيّن التفاصيل. والعقل المجرد بلا نقل يضل، كما أن النقل المجرد بلا عقل يقع فيه التأويلات المحرفية.