شبهة تأثر الأشاعرة بالمعتزلة أو الفلاسفة
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
اتهام الأشاعرة بأن مذهبهم قريب من مذهب المعتزلة، وأن أصولهم العقلية مأخوذة من المعتزلة أو الفلاسفة، وأن علم الكلام ليس أصلاً في الدين بل ضلالة وابتداع.
مصدر الشبهة: خصوم المنهج الأشعري من الحنابلة المتأخرين والوهابيةمن أبرز ما يميز المنهج الأشعري عن المنهج المعتزلي مواقفه العقدية تجاه مسائل كبرى نزلت بها الأدلة القرآنية. فقد آمنت الأشاعرة:بخلق القرآن خلقاً غير مخلوق، وبرؤية الله يوم القيامة رؤية حسية غير مُدْرَكة بالحواسّ الخمس، وبمشيئة الله المطلقة في خير وشر دون تقسيم كتقسيم المعتزلة، وبإيمان بشفاعة النبي ﷺ العظمى لمرتكبي الكبائر من أمته، وبابتلاء الله للعبيد بما لا يطيقون.
كل هذه المسائل الخمس هي جوهر النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة، وقد نصرها الأشاعرة بأدلة قرآنية وحديثية رفيعة. فقوله تعالى:(وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) دليل على حقيقة كلام الله غير المخلوق، وقوله تعالى:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّشْرِقَةٌ وَتَابِعَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) دليل على رؤية الله، لا كالمعتزلة الذين جعلوا النظر تأملاً فحسب.
لو كان الأشاعرة قد أخذوا أصولهم من المعتزلة لأتفقوا معهم في هذه المسائل الخمس، لكنهم相反وهم فيها بالكلية. المعتزلة ينكرون رؤية الله ويجعلون القرآن مخلوقاً وينفون القدر ويقولون بالبدعة الكبيرة، وكل ذلك مذهب الأشاعرة بالعكس تماماً. فكيف يُقال إنهم متأثرون بهم وقد بنوا أصولهم على نقيض أصولهم؟
لم تكن مواقف الأشاعرة في مسائلهم العقدية مستندة إلى العقل فحسب، بل هي منصوص عليها في السنة النبوية الشريفة نقلاً صحيحاً مُتقناً. فالحديث الشريف:(ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر) ثبت في صحيح البخاري بمسلسل الإسناد، وهو صريح في إثبات رؤية الله للمؤمنين يوم القيامة، ما نفاه المعتزلة زاعمين أنها تأويل مجازي.
كما أن حديث:(أَيُّكم يَرُدُّ عليَّ ما غيَّرَتِ الكِسائي) يدل على أن النبي ﷺ كان يهتمّ بضبط ألفاظ القرآن، أي أنه كلمات مسموعة محكية لا كلام نفسي خفي كقول المعتزلة. والأحاديث في إثبات القدر ومشيئة الله كثيرة في صحيح البخاري ومسلم.
من حاول تأويل هذه الأحاديث بالتأويل المعتزلي فقد خالف لسان العرب وطريقة السلف في فهم النصوص. فالمعني بـ«النظر» في حديث «ناظرة إلى ربها» هو النظر بالعين لا بالقلب، كما هو الظاهر من سياق الآية. أما من جعل التأويل العقلي مقدماً على الظاهرة فهذا هو المنهج الاعتزالي لا السني، والأشاعرة نفوا هذا المنهج رفضاً تاماً.
الإمام أبو الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) كان تلميذاً في مدرسة الجهمية والمعتزلة، ثم تاب وبرأ من مذهبهما على المنابر أمام الناس، وألف كتباً في الرد على المعتزلة نصّ فيها صراحة على خلافهم. ففي كتابه «مقالات الإسلاميين» قال: «خالفنا المعتزلة في أصول كثيرة»، وعدد خمسة أصول كبرى خالفوهم فيها.
أما كتابه «الإبانة عن أصول الديانة» فجاء ليوضح مبادئ العقيدة الأشعرية نقذاً واضحاً لمقالات المعتزلة. وكتابه «المقالات والردود» جاء ردّاً تفصيلياً على كل فرق المعتزلة ذكراً ونقداً. فكيف يتهم بأن أصوله مأخوذة من منهجهم وهو الذي نقض أصولهم واحدة تلو الأخرى؟
هذا الدعاوى لا أصل لها في كتب التاريخ أو التراجم. فالإمام الأشعري ظل على مذهبه الذي تمسك به حتى وفاته، وألف فيه كتباً كثيرة نقلها تلاميذه كأبي إسحاق الإسفراييني والباقلاني والجويني. ومن نسب إليه الرجوع عن مذهبه فهو متهم بالكذب على الأقدمين، لأن أهل التاريخ لم يذكروا ذلك قط.
من أخطر ما يقع فيه الخصوم من سوء فهم هو تسوية استخدام الأشاعرة لعلم الكلام باستخدام المعتزلة له. فالمعتزلة جعلوا العقل حكماً فوق النص، فما وافقه قبلوه وما خالفه أولوه أو حرفوه. أما الأشاعرة ف相反وا ذلك تماماً: جعلوا العقل آلة لفهم النصوص لا حكماً عليها، واستخدموه في الرد على منحرف النصوص بالتأويل الباطل.
عندما غزت الفلسفات الإغريقية ديار الإسلام في عصر المأمون وانتشرت شبهات ابن سينا والفارابي وابن رشد، لم يكف ردّ النصوص الشرعية لإقناع الملحدين، لأنهم لا يقرون النصوص أصلاً. هنا كان لا بدّ من استخدام أدواتهم المنطقية ضدّهم، فردّ الأشاعرة عليهم بلغتهم ومنطقهم، فانتصروا للعقيدة الإسلامية بعقولهم.
من قال إنه لا حاجة لعلم الكلام فهو لم يُدرك أن عصر السلف اختلف عن عصر الأشاعرة في التحديات التي واجهتهم. فالسلف واجهوا يهوداً ونصارى يؤمنون بالكتاب، فاكتفوا بدلالة النص، لكن الأشاعرة واجهوا ملحدين ينكرون أصلاً في الكتاب، فكان لا بد من الرد بالعقل. وهذا يشبه استخدام الأدوية عند الحاجة: لا يُقال إن الطبيب مبتدع لأنه يُعالج مريضاً.