شبهة أن الأشاعرة يقولون بخلق القرآن
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
اتهام الأشاعرة بأنهم يقولون بخلق القرآن أو يوافقون المعتزلة في مسألة خلق الكلام الإلهي، وأن كلام الله عندهم صفة حادثة مخلوقة لا صفة قديمة قائمة بذات الله.
مأخوذ من كتب الحنابلة والسلفية الجددقال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، فالقرآن هنا صفة من صفات الله التي علم بها عباده، والصفة قائمة بذات الله ولا تُ منفصلة عن ذاته. والرحمن هو المتصف بصفة الرحمة المطلقة، فكيف يُقال إنه خلق كلامه الذي هو صفة من صفاته؟
كما قال تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، فالكلام هنا صفة فِعلية لله تعالى قائمة بذاته، لا صفة حادثة منفصلة عنه. فالأشاعرة يؤمنون بأن كلام الله صفة أزلية قائمة بذاته تعالى.
هذا خلط بين القرآن ككلام الله القديم وبين نزوله على النبي ﷺ؛ فالنزول كان في زمان معين، لكن الكلام الذي نزل هو كلام الله القديم الذي كان قائماً بذاته قبل النزول. والفرق بين الكسب والخلق واضح؛ فالنبي ﷺ كان كاسباً لكلام الله لا خالقاً له.
ثابت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ كان يستعيذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ ففي صحيح مسلم: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ومنطوق الحديث يدل على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ فإذ قال: (من شر ما خلق) دلّ على أن كلمات الله لم تُخلَق.
كما في حديث: (ما تقرب العبد إلى الله بمثل ما خرج منه)، قال ابن حجر في (فتح الباري): المراد بالذي يخرج من العبد القرآن الكريم، فالقرآن كلام الله الذي يقرأه العبد يقربه من الله، وهذا لا يصح إلا إذا كان كلام الله صفة قائمة بذاته لا مخلوقة.
هذا صحيح من حيث الظاهر؛ فالألفاظ التي نقولها عند الاستعاذة حادثة مخلوقة بالفعل، لكن المراد منها هي المعاني الإلهية التي تدلّ عليها، وهي كلام الله القديم غير المخلوق. فالتفريق بين المعنى القديم واللفظ الحادث هو المنهج السني السلفي الذي يصون العقيدة من المتناقضات.
فرّق الأشاعرة بين نوعين من الكلام حمايةً للعقيدة: النوع الأول هو الكلام النفسي وهو صفة الله القديمة القائمة بذاته تعالى، والتي لا تتجزأ ولا تتركب من حروف وأصوات؛ وهذا القديم لا ينفكّ عنه أبداً. والنوع الثاني هو الألفاظ المتلوة والمكتوبة بحبر وورق وألسنة البشر وهي مخلوقة قطعاً.
وقال البيهقي والغزالي: كلام الله صفة قائمة بذاته وهو قديم، وأما الحروف والأصوات فهي حادثة. فالتلاوة والأصوات مخلوقة، والمعنى الإلهي القائم بالذات هو كلام الله الذي لا يُخلَق ولا يتغير. والقرآن يطلق على كلام الله القديم غير المخلوق في الحقيقة، وأما التلاوة فهي تعبير حادث يدلّ على الكلام القديم.
التشبه ظاهري لا حقيقي؛ فالمعتزلة يقولون إن كلام الله لا يخرج عن النفس أبداً وأنه صفة غير قائمة بذاته، بل هو فعل الاختيار. أما الأشاعرة فيقولون إنه صفة قائمة بذاته تعالى قديمة مع كمال الإرادة والعلم، وهذا أبعد ما يكون عن المعتزلة.
لو قلنا إن الأصوات التي فيها تقديم وتأخير (كقراءة البسملة والحمد) قديمة، للزم تعدد القدماء؛ فالصوت الأول يسبق الثاني والثالث، وهذا يستلزم تسلسل في القدم وهو محال عقلاً. لذلك الحق هو أن صفة الكلام لله قديمة أزلية لا تتغير، وما نقرأه هو تعبير حادث يدلّ على الكلام القديم بدقة متناهية.
وأيضاً فإن الحروف والأصوات مادة مسموعة تتشكل في الهواء وتنتقل عبر الموجات الصوتية، وهي من صفات المخلوقات لا من صفات الخالق. والله تعالى أجمع من أن يوصف بالصوت والحرف فضلاً عن أن يُقال إنه قديم.
إذا قلت إن المعنى فقط قديم وأن التلاوة والقرآن المكتوب مخلوق، فقد وقعت في قول المعتزلة الذين يقولون إن القرآن مخلوق. فالأشاعرة يقولون إن كلام الله القديم هو المعنى القائم بالذات، والقرآن المتلو هو كلام الله أيضاً لكنه تعبير حادث يدلّ على الكلام القديم ويدلّ عليه.