الرد على شبهة تحريم الذكر الجماعي والجهري
هل الاجتماع على ذكر الله بدعة؟ وهل الجهر بالذكر مخالف للسنة؟
هل الاجتماع على ذكر الله بدعة؟ وهل الجهر بالذكر مخالف للسنة؟
يَسْتَدِلُّ المُنْكِرُونَ لِحِلَقِ الذِّكْرِ الجَمَاعِيَّةِ الجَهْرِيَّةِ بِأَثَرٍ مَنْسُوبٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ — وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ — أَنَّهُمْ مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِي مَسْجِدٍ بِرَفْعِ صَوْتٍ فَقَالَ: «مَا هَؤُلَاءِ؟» فَقِيلَ: قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ. فَقَالَ: «فَإِنَّهُمْ يُحْصُونَ—أَيْ يَعُدُّونَ—سَيِّئَاتِهِمْ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يُحْصُونَ حَسَنَاتِهِمْ». وَيَقُولُونَ: إِنَّ الجَهْرَ بِالذِّكْرِ رِيَاءٌ وَبِدْعَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ.
— يستند المنكرون إلى أثر ضعيف السند ومخالف للأحاديث الصحيحة المروية عن النبي ﷺالذكر الجماعي في القرآن: قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: ٢٨]. هذا أمر إلهي للنبي ﷺ بملازمة مجالس الذكر والصحبة على الطاعة.
وقال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة: ١٤٨]، والاجتماع على الذكر من أبواب المسابقة إلى الخير. وقال جل وعلا: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الجمعة: ١٠]، والاجتماع على الذكر هو من الإكثار المأمور به.
فضائل مجالس الذكر: في الصحيحين عن النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ». وهذا نص صريح في فضيلة الاجتماع على الذكر.
وقال ﷺ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ» (مسلم). فهل مجلس تلاوة القرآن ليس ذكراً؟ بل هو أعظم الذكر.
الجهر بالذكر: ثبت في الصحيحين: «لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ» نزلت في غزوة تبوك، وكان الصحابة يجهرون بالذكر حتى قال النبي ﷺ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِباً» (البخاري)، فأقرهم على الجهر ولم ينههم عنه، بل طلب التخفيف فقط.
الأثر الذي يستند إليه المنكرون يحتاج إلى تحقيق:
أولاً: ضعف السند: أثر ابن مسعود في إنكار الذكر الجماعي رواه الدارمي في سننه والآجري، لكن سنده ضعيف. فيه انقطاع بين أبي وائل شقيق بن سلمة وابن مسعود (فأبو وائل لم يسمع من ابن مسعود)، وفيه راوٍ مجهول (أبو سهل). وقد حكم الحافظ العراقي والهيثمي بضعفه.
ثانياً: المعارضة بالأصح: صح عن ابن مسعود نفسه خلاف هذا الأثر، إذ كان يقول: «اجتمعوا على الذكر فإنه يجلي القلوب». وثبت عن ابن مسعود أنه كان يذكر الله ويسبح في جماعة (ابن أبي شيبة).
ثالثاً: الإجماع العملي: الأمة منذ القرن الأول إلى يومنا مجتمعة على جواز حلق الذكر الجهرية، والصحابة والتابعون والأئمة الأربعة كلهم مارسوها أو أقرّوها أو نصوا على جوازها.
الجواب: الذكر الخفي أفضل في حالة خشية الرياء، أما الذكر الجهري فله مزية: فيه إعلان شعائر الله، وتذكير الغافلين، وتحريك القلوب. وقد نص الشافعي على أن الجهر بالذكر في موضعه حسن، والإسرار في موضعه حسن. والعبرة بالنية والقصد. والرسول ﷺ أقر الصحابة على الجهر بالذكر في غزوة تبوك.
الجهر بالذكر والاجتماع عليه يحقق مقاصد شرعية عظيمة:
إيقاظ القلوب: الذكر الجهري يوقظ القلب من سنة الغفلة، كما أن الصوت الهامس قد لا يوقظ النائم بينما الصوت المرتفع يوقظه. قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) [الأعراف: ٢٠٥]، والإسرار أفضل في الذكر الفردي، أما الجماعي فالجهر فيه مصلحة التذكير والحضور.
تقوية الهمة: الاجتماع على الذكر يقوي العزيمة، كما أن الصلاة جماعة تزيد الخشوع والثواب. ولو كان الاجتماع على الذكر بدعة لأنكر النبي ﷺ على أهل الصفة الذين كانوا يجتمعون للذكر والعبادة.