حقيقة البدعة وأقسامها والرد على الغلو في التبديع
هل حقاً كل بدعة ضلالة؟ وما الفرق بين البدعة الحسنة والبدعة السيئة؟ وهل كل ما لم يفعله السلف فهو ممنوع؟
هل حقاً كل بدعة ضلالة؟ وما الفرق بين البدعة الحسنة والبدعة السيئة؟ وهل كل ما لم يفعله السلف فهو ممنوع؟
يَزْعُمُ بَعْضُ المُنْكِرِينَ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالمُسْلِمِينَ عَامَّةً أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ بِدْعَةٌ ضَلَالَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)، وَيُنْكِرُونَ تَقْسِيمَ العُلَمَاءِ لِلْبِدْعَةِ إِلَى حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الإِمَامِ مَالِكٍ: «مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً فَهِيَ ضَلَالَةٌ».
— تنتشر هذه الشبهة في الخطاب السلفي المعاصر كأساس لتكفير وتبديع مخالفيهمالبدعة في اللغة: الإبداع هو الإنشاء على غير مثال سابق. قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي خالقها لا عن مثال سابق.
البدعة في الشرع: ليست كل بدعة مذمومة، بل البدعة المذمومة هي ما خالف أصول الشريعة ودلائلها. وهذا ما استقر عليه عمل السلف وجماهير الأمة. فالبدعة عندهم تنقسم إلى:
النص القاطع الذي يوضح أن الإحداث في الدين على قسمين هو الحديث الثابت في صحيح مسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا».
فهذا الحديث يثبت أن هناك «سنة حسنة» يمكن أن تُسن بعد النبي ﷺ، و«سنة سيئة» تنشأ. ولو كان كل إحداث محرماً لما قال النبي ﷺ «من سن سنة حسنة».
وأما حديث «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» فهو حديث صحيح، لكنه يُحمل على البدعة المذمومة شرعاً التي تتعارض مع أصول الدين، وذلك بقرينة الحديث الآخر (من سن سنة حسنة). والقاعدة الأصولية: العام يُخصص بالعام الآخر.
الجواب: هذا تأويل لا دليل عليه، بل إن سياق الحديث يخالف هذا التأويل. الحديث جاء في قصة: أتى النبي ﷺ قوم وعليهم أثر الفقر، فحث على الصدقة، فجاء رجل بصدقة ثم تتابع الناس، فقال ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة…». فقبل هذا الفعل لم تكن صدقة الجمعة سنة ثابتة بهذه الصورة، فسنها الرجل وجعلها سنة. وجمهور الأئمة حملوا الحديث على ظاهره.
عمر بن الخطاب والتراويح: لما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح قال: «نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ» (رواه البخاري). فلو كانت كل بدعة ضلالة ما مدحها عمر بهذا المدح.
جمع القرآن في مصحف واحد: أُحدث بعد النبي ﷺ باتفاق الصحابة، فكان بدعة حسنة. وكذلك نقط المصحف وتشكيله، وبناء المدارس الشرعية، والمآذن، والمحاريب، كلها بدع حسنة لم تكن موجودة.
كبار الأئمة المجمع عليهم: الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات، وابن حجر في الفتح، والسيوطي، والقرافي، والعز بن عبد السلام في قواعده، كلهم نصوا على تقسيم البدعة وأقروا أن البدعة الحسنة جائزة بل واجبة أحياناً!
لو أخذنا بمنطق «كل بدعة ضلالة» على إطلاقه دون تفصيل، لحُرِّم علينا:
الجمود على الظاهر الحرفي يهدم مقاصد الشريعة. الدين يُبنى على التسليم للنص مع فهم المقاصد والمآلات. فما وافق الشرع وأصوله فهو مقبول مهما كان مستحدثاً، وما خالفه مرذول مهما ادُّعي له من قدم.