أدلة وجود الله العقلية والنقلية
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شبهات الإلحاد المعاصر التي تنكر وجود الخالق سبحانه وتعالى، وتزعم أن الكون نشأ صدفة عمياء أو نتيجة تطور مادي محض دون غاية ولا مُدبِّر، وأن نظرية الانفجار العظيم والاصطفاء الطبيعي تفسر كل شيء دون حاجة إلى قوة متعالية. هذه الشبهات تزعم أن الإيمان بالله مجرد أسطورة من اختراع الإنسان القديم لتفسير ما يجهله.
— تتلخص في فلسفات الملحدين الجدد كدوكينز وهيتشنز ودينيتالقرآن الكريم يقدم أبلغ برهان عقلي على وجود الخالق في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ). هذا البرهان المنطقي (الثلاثي) يرد على كل ملحد في كل زمان: الاحتمال الأول: أنهم خلقوا من غير خالق (من العدم) وهذا محال عقلاً، إذ العدم لا ينتج وجوداً. الاحتمال الثاني: أنهم خلقوا أنفسهم بأنفسهم، وهذا أشد استحالة، إذ يستدعي وجود الشيء قبل وجوده. فيتعين الاحتمال الثالث: أن لهم خالقاً أوجدهم من العدم، وهو الله سبحانه وتعالى.
هذا البرهان البسيط في ظاهره، العميق في مبناه، يكفي وحده لدحض كل نظريات الإلحاد المادي. فالملحد الذي يزعم أن المادة أزلية أو أن الكون خلق نفسه يقع في التناقض نفسه الذي تصده الآية. وقد استعمل المتكلمون المسلمون هذا البرهان وصاغوه في قواعد (حدوث الأجسام) و(إمكان العالم) التي هيمنت على الفلسفة الإسلامية لقرون.
الآية تشتمل على قسمة حصرية ثنائية يندرج تحتها كل الاحتمالات. نفي الحالتين يعني استحالة وجود الشيء من غير علة. وأما دعوى (أزلية المادة) فهي مصادرة على المطلوب، فقد أثبت العلم الحديث أن للكون بداية (نظرية الانفجار العظيم) وأن المادة لم تكن موجودة منذ الأزل. وحتى الفلاسفة الماديون المعاصرون يعترفون بأن المادة لم توجد بلا علة، والعلة لا تكون إلا قوة متعالية غير مادية.
النبي ﷺ لم يكتفِ بالدعوة إلى التوحيد النظري، بل وجه الصحابة إلى التفكر في آيات الله الكونية كطريق لتعزيز اليقين. ففي الصحيحين كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام). وكان ﷺ يتأمل في خلق الليل والنهار وتعاقبهما، ويقول في دعائه: (اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء).
هذا التوجيه النبوي يفتح الباب أمام (البرهان الطبيعي) الذي يرى في كل ذرة من ذرات الكون دليلاً على الخالق. فالنظام البديع في السماء والأرض، وتعاقب الفصول، وانضباط حركة الكواكب، كلها آيات (علامات) على وجود الله لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
التفسير المادي للظواهر لا يلغي الخالق، بل يصف (كيف) تعمل الطبيعة، ولا يجيب عن سؤال (لماذا) هي موجودة أصلاً. قوانين الفيزياء تصف حركة الكواكب لكنها لا تفسر من وضع هذه القوانين. العلم يخبر عن (الآلية) والدين يخبر عن (الغاية والعلة الأولى). والملحد هو من يحول الوصف المادي إلى إنكار لما وراء المادة، وهذا قفز غير علمي من (الوصف) إلى (النفي).
علماء المسلمين لم يكتفوا بالنقل، بل استعملوا العقل في تقرير وجود الله، ووضعوا براهين عقلية محكمة لا تزال حجة على كل جيل. من أروعها ما روي عن الإمام أبي حنيفة النعمان حين سأله ملحد عن الدليل على وجود الخالق. لم يُجبْه الإمام بآية ولا حديث، بل ضرب له مثلاً حسياً بديعاً: السفينة في دجلة. فهذا المثل يقرر مبدأ (النظام يستلزم ناظماً) وهو من أرسخ البراهين العقلية.
ثم تطور هذا البرهان على أيدي المتكلمين كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي حتى صار يُعرف بـ (برهان الإحكام والإتقان)، أو (برهان التمانع) المستنبط من الآية (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا). يقول المتكلمون: كل مشهد من مشاهد الكون يحكم الإتقان والإحكام، وهذا يقتضي فاعلاً حكيماً عالماً قادراً.
هذا التمثيل ليس مجرد تشبيه بل هو (قياس تمثيلي) غايته توضيح البداهة العقلية. وهو شبيه بما يفعله الفلاسفة اليوم في دليل (الضبط الدقيق) حين يشبهون الكون بساعة دقيقة لا بد لها من صانع. العقل البشري مجبول على أن النظام المحكم يدل على فاعل حكيم. فإذا كان هذا واضحاً في السفينة والمنزل والكتاب، فكيف به في الكون العجيب؟
العلم الحديث في القرن العشرين كشف عن حقيقة مذهلة: الكون مضبوط بدقة رياضية لا يمكن تفسيرها بالصدفة. الثوابت الفيزيائية كالجاذبية والكتلة والقوى النووية مضبوطة بدقة متناهية بحيث لو اختلفت قيمة أي منها بمقدار ضئيل (واحد على تريليون) لاستحالت الحياة. مثلاً: لو كانت قوة الجاذبية أضعف قليلاً لانفجرت النجوم وانطفأت، ولو كانت أقوى قليلاً لانهارت على نفسها. هذه الموائمة الدقيقة لا يمكن أن تكون صدفة عمياء.
يقول الفيزيائي بول ديفيز: (الكون يبدو وكأنه صُمم خصيصاً لاستضافة الحياة). بل إن بعض الملحدين أنفسهم اضطروا لافتراض (أكوان متعددة) هرباً من دليل التصميم الذكي، وهذا افتراض فلسفي لا دليل عليه، وهو أقرب إلى الخرافة من العلم. العقل السليم يقضي بأن التصميم الدقيق يقتضي مصمماً حكيماً، والنظام البديع يقتضي ناظماً عليماً.
نظرية الأكوان المتعددة افتراض فلسفي غير قابل للإثبات أو الاختبار العلمي، وهي أقرب إلى (الإيمان) بالصدفة العمياء منها إلى العلم التجريبي. بل إنها تنتهك مبدأ (أوكام) في الاقتصاد التفسيري: لا تكثر الفروض بلا ضرورة. الافتراض الأبسط والأكثر منطقية هو وجود خالق واحد حكيم، كما دلت عليه كل البراهين العقلية والنقلية. والملحد هنا يلجأ للخيال العلمي هرباً من الحقيقة.