الرد على افتراءات المستشرقين في السيرة النبوية
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
يروج المستشرقون وأتباعهم من العلمانيين المعاصرين طعناً مزدوجاً في النبي محمد ﷺ: أولهما اتهامه بالشهوانية والرغبة الجامحة وراء تعدد الزوجات، وثانيهما اتهامه بالدموية والعنف والإرهاب بسبب غزواته وسراياه. ويهدف هذا الطعن إلى تصوير النبي ﷺ كزعيم بشري عادي مدفوع بشهواته ونزعاته، لا كرسول من عند الله.
— من أبرز رواده: وليم موير، مونتغمري واط، كارين أرمسترونغ (في بعض كتاباتها القديمة)القرآن الكريم لم يترك مجالاً للشك في زهد النبي ﷺ وعدم تعلقه بمتاع الدنيا، بل جعل تخيير أزواجه مقياساً لصدقه ونبله. حين نزلت سورة الأحزاب، خير النبي ﷺ نساءه بين الحياة معه على الكفاف والاحتمال، وبين الفراق ليذهبن إلى متاع الدنيا وزينتها. فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وهذا دليل قاطع على أن النبي لم يكن ممسكاً بهن لشهوة أو جاه، بل كانت حياته معهن حياة قناعة وزهد.
فأي شهواني يخير نساءه بين البقاء معه على الجوع أحياناً وارتداء الخشن من الثياب، وبين الرحيل إلى متاع الدنيا وزينتها؟ بل هذا دليل على أن النبي ﷺ كان يعيش عيشة الكفاف، وأن نساءه كن معه على محبة الله ورسوله لا على طمع دنيوي.
الملاحظة ساذجة، لأن الشهواني الحقيقي هو من يحرص على زيادة المتع لا من يخير شركاءه بالرحيل ويكون مستعداً للتضحية بملذاته. ثم إن النبي ﷺ حين خيرهن لم يكن في موقف ضعف، بل في ذروة قوته بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً، ورغم ذلك كان ينام على الحصير ويؤثر الزهد. وهذه صفات لا تتوافق مع صورة الشهواني المدمن للملذات.
أي باحث منصف يتأمل سيرة النبي ﷺ سيجد حقائق صارخة تدحض تهمة الشهوانية: (١) عاش النبي ﷺ مع السيدة خديجة خمسة وعشرين عاماً وهي أكبر منه بخمس عشرة سنة، في زواج أحادي لم يعرف فيه التعدد، وهي سنون الشباب والفتوة، وأنجب منها كل أولاده إلا إبراهيم، ولم يتزوج عليها قط في حياتها، وهذا لا يفعل من تغلب عليه الشهوة. (٢) بعد وفاة خديجة تزوج من السيدة سودة بنت زمعة وهي أرملة كبيرة السن، وزواجه منها كان لحمايتها ورعايتها. (٣) كل زيجاته بعد سن الخمسين - وهو سن تكف فيه الشهوة عن الرجال عادة - كانت لأسباب نبيلة: تكريم بيوت الصحابة، أو ربط القبائل، أو تشريع أحكام خاصة بالنساء، أو إكرام أرامل المهاجرين.
هذه خصوصية نبوية ثابتة بالقرآن والإجماع، ولا تصلح دليلاً على الشهوانية. لأن الله تعالى هو الذي أمره بهذا التعدد وأباحه له. ثم إن تشريع التعدد للمسلمين كان مقيداً بالأربع واشترط العدل بينهن، مما يقطع بأن التعدد ليس إباحة للشهوة، بل هو أحكام محكمة لتنظيم العلاقات الأسرية والاجتماعية. والنبي ﷺ لم يتزوج أكثر من أربع في وقت واحد، بل كانت الزيجات تتفاوت.
لم يكن زواج النبي ﷺ بعدة نساء أمراً عابراً، بل كان يحمل مقاصد عظيمة شرعها الله لحكمة بالغة. فقد نقل عن الإمام النووي وابن حجر وابن القيم أن من أهم حكم زواجه ﷺ بأمهات المؤمنين: (أ) نقل تفاصيل الشريعة العملية الخاصة بالنساء (كأحكام الحيض والاستحاضة والزينة والنكاح) والتي حتماً لم تكن لتنقلها النساء عن الرجال. (ب) ربط القبائل العربية بنسب المصاهرة مع النبي ﷺ، مما ساهم في توحيد القلوب وإزالة العصبيات. (ج) إكرام الأرامل والأسيرات (كصفية وجويرية) ورفع شأنهن تكريماً للإسلام.
النبي ﷺ تزوج بالبتول عائشة وهي البكر الوحيدة بين زوجاته، ولم يرزق بأبناء من معظم زوجاته بسبب حكمة إلهية: لو رزق النبي بأبناء من كل زوجة لانتسبوا إلى أمهاتهم، ولأصبحوا (أبناء النبي) مما قد يحدث إشكالاً في التوارث والميراث. ومات أولاده الذكور صغاراً أيضاً لحكمة: لئلا يُفتتن بهم الناس ويتخذوهم أئمة من دون الله. والهدف من الزيجات كان (التشريع) لا (التناسل).
أما الاتهام الثاني - بالدموية - فهو أشد وهناً عند التحقيق العلمي. فالإحصائيات التاريخية الموثقة (عند ابن إسحاق والطبري) تبين أن مجموع القتلى في جميع غزوات النبي ﷺ وسراياه من الطرفين (مسلمين ومشركين) على مدى عشر سنوات كاملة لم يتجاوز ١٠٠٠ قتيل. هذا الرقم ضئيل جداً مقارنة بأي حرب معاصرة، فالحرب العالمية الأولى مثلاً حصدت ١٧ مليون قتيل. والأهم من العدد هو (الغاية والمنهج): فالنبي ﷺ لم يبدأ أي غزوة بعدوان، بل كانت غزواته إما دفاعية (كغزوة أحد والخندق) أو ردعية لتأمين طريق التجارة (كغزوة بدر) أو لإنهاء الفتنة والاضطهاد.
والدليل الأبرز على سماحة النبي ﷺ: عَفْوُه عن أهل مكة يوم فتحها - وهم الذين آذوه عشرين عاماً - بقوله المشهور: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). وكذلك عفوه عن الذين هجروه وأخرجوه، وغفرانه للأعرابي الذي أغمته السيف وأراد قتله، وأمره بالرحمة في القتال: (لا تقتلوا شيخاً ولا طفلاً ولا امرأة).
حادثة بني قريظة وقعت بعد خيانتهم العظمى للمسلمين في أحلك الظروف (غزوة الأحزاب)، حيث تحالفوا مع الأحزاب لمباغتة المسلمين من الخلف، وهذا يعد خيانة عظمى في زمن الحرب تستوجب أقصى العقوبات في كل الشرائع والقوانين الدولية حتى اليوم. وحُكْمهم كان بناءً على تحكيم سعد بن معاذ - حليفهم قبل الإسلام - حيث حكم فيهم بحكم الله الذي أنزله في التوراة (قتل المقاتلة وسبي الذرية)، وقد قال النبي ﷺ: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات).