شبهة التفريق بين تفويض السلف وتفويض الأشاعرة
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
اتهام المفوضة (الذين يفوضون معنى الصفات لله) بأنهم يعطلون الصفات ولا يثبتون لله معنى أصلاً، وأن تفويضهم ليس تفويض السلف الذي أثبت المعنى وفوض الكيف، بل تفويضهم ينفي المعنى بالكلية.
مأخوذ من كتب بعض الحنابلة والسلفية الجددقال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).
في هذه الآية دليلان: الأول أن التأويل هو المعنى المراد الذي يعلمه الله وحده، والثاني أن من يتبع المتشابه ابتغاء التأويل قد ابتغى الفتنة. فالأشاعرة يثبتون المعنى العام للصفة (كالاستواء علو والرحمة ميل رحمة) ثم يفوضون الكيفية لله، وهذا هو التفويض السلفي الأصيل.
هذا من فهمٍ خاطئٍ؛ فالتأويل في هذا السياق هو نقل اللفظ من ظاهره الحسي إلى معناه الشرعي اللائق بالله، لا نفي المعنى بالكلية. فالآية تقول إن التأويل يعلمه الله وحده، وهذا يعني أن المعنى موجود لكن كيفيته مجهولة عندنا.
لم يفسّر النبي ﷺ للصحابة قط المعاني الحسية لنصوص الصفات؛ بل كان يقرأها كما نزلت دون تكييف أو تفصيل حسي. فحين قرأ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) لم يقل: استوى جالساً أو واقفاً، بل ترك المعنى لله.
ومن أصول أهل السنة المعلومة أن النبي ﷺ لم يفسر للصحابة نصوص الصفات بتفسير حسي لأن ذلك ليس من مقاصد النزول. فالنص أتى بلفظ عام يدلّ على علو ورفعة وكمال، والكيفية مفروضة لله تعالى. وهذا منهج سلفي صرف لا ينفي المعنى بل يثبته ويفوض الكيفية.
هذا صحيح؛ فالنبي ﷺ لم يفسر لأن الفهم العام كافٍ للعبودية، والكيفية لا تُضاف إلى العلم النافع. لكن هذا لا يعني نفي المعنى؛ فالفهم العام موجود والتفويض للكيفية هو المطلوب. ومن فوض المعنى بالكلية فقد نفى الصفات.
قال الإمام مالك رحمه الله: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). هذه الكلمة الذهبية تلخص المنهج السلفي الأصيل: إثبات المعنى (الاستواء = العلو والرفعة) معلوم عندنا بالبرهان العقلي والشرعي، أما الكيفية (كيف استوى؟) فهي مجهولة عندنا نفوضها لله.
فالإمام مالك لم يقل إن المعنى مجهول بل قال إنه معلوم، ولم يقل إن الكيفية معروفة بل قال إنها مجهولة. وهذا التفريق هو جوهر المنهج السني الأشعري الماتريدي: إثبات المعنى اللائق بالله وتفويض الكيفية لله، لا نفي المعنى بالكلية ولا إثبات الكيفية الحسية.
هذا خلط؛ فالإمام مالك كان يرفض الجلوس والمماسة لأنها صفات أجسام لا تناسب كمال الله. وقال في رده على الجهمية: (من أثبت لله حداً أو جلساً فقد افترى على الله الكذب). فالإمام مالك نفى الجلوس صراحةً لا تركه مجهولاً.
التفويض الحقيقي الذي يريده السلف هو تفويض المعنى المراد مع الجزم المطلق بنفي التجسيم. أما من يقول إن الله (جلس على العرش) ثم يقول (لا نعلم كيف يجلس)، فهذا ليس تفويضاً سلفياً بل هو إثبات لصفات الأجسام مع الجهل بكيفيتها، وهو مناقض للتنزيه.
فالتفويض المفرط الذي ينفي المعنى بالكلية منهي عنه؛ فالإمام أحمد قال: (نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى)، وهذا يعني إثبات الإيمان بالمعنى اللائق بالله (كالعلو والرفعة) وتفويض الكيفية لله. فالتفويض المصحوب بإنكار المعنى يُخلّ بالعقيدة، والتفويض المصحوب بإثبات المعنى هو المنهج الأصيل.
هذا فهم سطحي؛ فالإمام أحمد ينفي المعنى الحسي المادي (الجلوس والقعود) لا المعنى الشرعي العام (العلو والرفعة). فالأمام أحمد يثبت المعنى اللائق بالله وينفي المعنى الجسمي، وهذا هو التفويض السلفي الأصيل الذي يجمع بين إثبات الصفات ونفي التشبيه.