جاري تحميل حكمة اليوم...

شبهة التفريق بين تفويض السلف وتفويض الأشاعرة

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

شبهة التفريق بين تفويض السلف وتفويض الأشاعرة

العقيدة والتنزيه ٥ دقائق متوسط

عرض الشبهة

اتهام المفوضة (الذين يفوضون معنى الصفات لله) بأنهم يعطلون الصفات ولا يثبتون لله معنى أصلاً، وأن تفويضهم ليس تفويض السلف الذي أثبت المعنى وفوض الكيف، بل تفويضهم ينفي المعنى بالكلية.

مأخوذ من كتب بعض الحنابلة والسلفية الجدد
بيان أن المنهج السني الصحيح هو تفويض الكيف مع إثبات المعنى اللائق بالله، وهو ما سار عليه الإمام مالك وغيره من السلف، وأن نفي المعنى بالكلية ينافي النصوص الشرعية.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • القرآن نفسه يقول (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، وهذا دليل أصل التفويض لمراد الله.
  • النبي ﷺ لم يفسر للصحابة المعاني الحسية لنصوص الصفات بل كان يقرأها كما نزلت.
  • الإمام مالك قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة)، وهذا تفويض الكيف مع إثبات المعنى.
  • التفويض مع إثبات المعنى هو المنهج الأصيل؛ أما تفويض المعنى بالكلية فينفي الصفات.

١ القرآن يدلّ على أصل التفويض المصحوب بإثبات المعنى

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).

في هذه الآية دليلان: الأول أن التأويل هو المعنى المراد الذي يعلمه الله وحده، والثاني أن من يتبع المتشابه ابتغاء التأويل قد ابتغى الفتنة. فالأشاعرة يثبتون المعنى العام للصفة (كالاستواء علو والرحمة ميل رحمة) ثم يفوضون الكيفية لله، وهذا هو التفويض السلفي الأصيل.

(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) — التأويل هو الكيفية والحقيقة النهائية التي يعلمها الله وحده، وإثبات المعنى العام واجب والتفويض للكيفية هو المنهج السلفي. — سورة آل عمران، آية ٧
احتمال الاعتراض: التأويل هو نفي المعنى بالكلية

هذا من فهمٍ خاطئٍ؛ فالتأويل في هذا السياق هو نقل اللفظ من ظاهره الحسي إلى معناه الشرعي اللائق بالله، لا نفي المعنى بالكلية. فالآية تقول إن التأويل يعلمه الله وحده، وهذا يعني أن المعنى موجود لكن كيفيته مجهولة عندنا.

٢ منهج النبي ﷺ في التعامل مع نصوص الصفات

لم يفسّر النبي ﷺ للصحابة قط المعاني الحسية لنصوص الصفات؛ بل كان يقرأها كما نزلت دون تكييف أو تفصيل حسي. فحين قرأ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) لم يقل: استوى جالساً أو واقفاً، بل ترك المعنى لله.

ومن أصول أهل السنة المعلومة أن النبي ﷺ لم يفسر للصحابة نصوص الصفات بتفسير حسي لأن ذلك ليس من مقاصد النزول. فالنص أتى بلفظ عام يدلّ على علو ورفعة وكمال، والكيفية مفروضة لله تعالى. وهذا منهج سلفي صرف لا ينفي المعنى بل يثبته ويفوض الكيفية.

حديث: (ألا لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) — فالأمر بالرجوع للكتاب لا بالتفويض الكلي بل بالفهم العام والتفويض للكيفية. — صحيح أبي داود
احتمال الاعتراض: النبي ﷺ لم يفسر لأن التفسير غير ضروري

هذا صحيح؛ فالنبي ﷺ لم يفسر لأن الفهم العام كافٍ للعبودية، والكيفية لا تُضاف إلى العلم النافع. لكن هذا لا يعني نفي المعنى؛ فالفهم العام موجود والتفويض للكيفية هو المطلوب. ومن فوض المعنى بالكلية فقد نفى الصفات.

٣ كلمة الإمام مالك الذهبية: تفويض الكيف وإثبات المعنى

قال الإمام مالك رحمه الله: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). هذه الكلمة الذهبية تلخص المنهج السلفي الأصيل: إثبات المعنى (الاستواء = العلو والرفعة) معلوم عندنا بالبرهان العقلي والشرعي، أما الكيفية (كيف استوى؟) فهي مجهولة عندنا نفوضها لله.

فالإمام مالك لم يقل إن المعنى مجهول بل قال إنه معلوم، ولم يقل إن الكيفية معروفة بل قال إنها مجهولة. وهذا التفريق هو جوهر المنهج السني الأشعري الماتريدي: إثبات المعنى اللائق بالله وتفويض الكيفية لله، لا نفي المعنى بالكلية ولا إثبات الكيفية الحسية.

الإمام مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) — المعنى معلوم أي العلو والرفعة، والكيفية مجهولة لا نثبتها ولا ننفيها بل نفوضها. — مالك في (الرد على الجهمية) و (الموطأ)
احتمال الاعتراض: مالك لم ينفِ الجلوس بل تركه مجهولاً

هذا خلط؛ فالإمام مالك كان يرفض الجلوس والمماسة لأنها صفات أجسام لا تناسب كمال الله. وقال في رده على الجهمية: (من أثبت لله حداً أو جلساً فقد افترى على الله الكذب). فالإمام مالك نفى الجلوس صراحةً لا تركه مجهولاً.

٤ الفرق بين التفويض السلفي والتفويض المفرط

التفويض الحقيقي الذي يريده السلف هو تفويض المعنى المراد مع الجزم المطلق بنفي التجسيم. أما من يقول إن الله (جلس على العرش) ثم يقول (لا نعلم كيف يجلس)، فهذا ليس تفويضاً سلفياً بل هو إثبات لصفات الأجسام مع الجهل بكيفيتها، وهو مناقض للتنزيه.

فالتفويض المفرط الذي ينفي المعنى بالكلية منهي عنه؛ فالإمام أحمد قال: (نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى)، وهذا يعني إثبات الإيمان بالمعنى اللائق بالله (كالعلو والرفعة) وتفويض الكيفية لله. فالتفويض المصحوب بإنكار المعنى يُخلّ بالعقيدة، والتفويض المصحوب بإثبات المعنى هو المنهج الأصيل.

الإمام أحمد: (نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى) — المعنى اللائق بالله معلوم إيماناً، والكيفية مجهولة تُفَوَّض لله تعالى. — مسند الإمام أحمد
احتمال الاعتراض: قول أحمد (لا كيف ولا معنى) يدل على نفي المعنى

هذا فهم سطحي؛ فالإمام أحمد ينفي المعنى الحسي المادي (الجلوس والقعود) لا المعنى الشرعي العام (العلو والرفعة). فالأمام أحمد يثبت المعنى اللائق بالله وينفي المعنى الجسمي، وهذا هو التفويض السلفي الأصيل الذي يجمع بين إثبات الصفات ونفي التشبيه.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • التفويض السلفي الأصيل هو تفويض الكيف مع إثبات المعنى اللائق بالله كما قال الإمام مالك.
  • القرآن نفسه يدل على أصل التفويض: (وما يعلم تأويله إلا الله).
  • النبي ﷺ لم يفسر المعاني الحسية للصفات بل تركها كما نزلت دليلاً على التفويض.
  • نفي المعنى بالكلية منهي عنه، وإثبات الكيفية الحسية مناقض للتنزيه.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
الإمام مالك قال (الاستواء معلوم والكيف مجهول)، فالمعنى معروف والكيفية مفروضة لله. تفويض السلف هو إثبات المعنى وتفويض الكيف لا نفي المعنى بالكلية. الآية تقول (وما يعلم تأويله إلا الله)، فالتفويض للكيفية هو المنهج القرآني.
×