الرد على شبهة تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
يزعم بعض المنتقدين أن الصوفية يشرعون ديناً جديداً بإسقاطهم أحكام الشريعة والاكتفاء بالحقيقة المزعومة، وأن تقسيم الدين إلى ظاهر وباطن هو بدعة مستوردة، لا سيما مع إطلاقهم عبارات مثل: (بلغنا الحقيقة فسقطت عنا التكاليف).
— شبهة منتشرة في بعض خطابات التيارات السلفية المعاصرةالقرآن الكريم لم يقتصر على أحكام الظاهر فقط، بل فتح باب العلم الباطني والتلقي الرباني المباشر لمن اصطفى من عباده. وأوضح مثال على ذلك قصة سيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام في سورة الكهف، حيث كان موسى عليه السلام يمثل مرتبة الشريعة الظاهرة (فكان يعترض على ما يفعله الخضر لأنه يخالف ظاهر الشرع)، بينما كان الخضر يتصرف بناءً على علم باطن من الله (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا).
النبي موسى نبي مرسل ومعه التوراة، ومع ذلك لم يكن يعلم الحكمة الباطنية من أفعال الخضر حتى أوحى الله إليه. هذا التفريق بين علم الظاهر وعلم الباطن موجود في صلب القرآن، وليس ابتداعاً من الصوفية. بل إن الله تعالى يمدح الذين يجمعون بين التقوى الظاهرة والفراسة الباطنة: (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا).
جمهور المفسرين كابن عباس والطبري والقرطبي لم يقتصروا العلم اللدني على الأنبياء، بل جعلوه منحة إلهية قد تعطى للأولياء أيضاً. فالآية (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) وإن نزلت في الخضر، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد أجمع الصوفية على أن كل علم باطني لا يخالف الكتاب والسنة فهو مقبول، سواء كان صاحبه نبياً أو ولياً.
حديث جبريل المشهور المتواتر يضع التقسيم الثلاثي للدين: الإسلام (الشهادة والصلاة والصوم والحج)، والإيمان (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر)، والإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه). هذه المراتب الثلاث ليست متعارضة، بل هي متكاملة ومترابطة، فالإسلام هو جسد الدين (الشريعة)، والإيمان هو لبابه، والإحسان هو روحه (الحقيقة).
هذا صحيح، وهو عين ما ندندن حوله. الحديث يثبت أن للإحسان (الحقيقة) مرتبة سامية، لكنه لم يسقط الإسلام (الشريعة). بل قال النبي ﷺ: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فجعل الثلاثة كلها ديناً واحداً. الصوفية الحق هم أشد الناس تمسكاً بالشريعة، والإمام الجنيد القائل: (كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة) إنما استقى هذا الضابط من هذا الحديث.
التراث الإسلامي زاخر بنصوص الأئمة الذين أكدوا على ضرورة الجمع بين الشريعة والحقيقة، وحذروا من الانفصام بينهما. فالإمام مالك بن أنس واضع المذهب المالكي قال قولته المشهورة التي صارت دستوراً لأهل التصوف، والتي تجعل التفقه والتصوف صنوين لا يفترقان.
روى هذه العبارة جماعة من العلماء الثقات، وهي متواترة معنىً وإن اختلف في سندها، وقد صححها السيوطي والشعراني وابن عجيبة. والأهم أنها تعبر عن روح الشريعة التي لا تعارض بين ظاهرها وباطنها. حتى ابن تيمية رحمه الله الذي يُستشهد به كثيراً في نقد الصوفية قد أثنى على المشائخ الصوفية الملتزمين بالكتاب والسنة كالفضيل بن عياض والجنيد.
الخلط الكبير في هذه الشبهة هو الاعتقاد بأن (الحقيقة) تعني (الخروج عن الشريعة)، وهذه بدعة شنيعة يرفضها الصوفية أنفسهم. فالصوفية الحق كالسادة الأربعة (الجنيد، الغزالي، الجيلاني، الشعراني) نصوا على أن (الوصول إلى الحقيقة) يوجب زيادة التمسك بالشريعة لا إسقاطها. فالعارف كلما ازداد قرباً من الله ازداد خشية وتعظيماً لأحكامه. الشريعة كالسفينة والحقيقة كاللؤلؤ الذي في قاع البحر، لا يصل إليه إلا من ركب السفينة وأجاد السباحة.
التقسيم تقنيب معرفي، لا تقابل تضاد. الصوفية لم يخترعوا هذا التقسيم، بل استنبطوه من القرآن (قصة الخضر) والحديث (مراتب الإسلام والإيمان والإحسان). الشريعة هي القالب، والحقيقة هي المضمون. ولا تعارض بين القالب والمضمون، بل القالب يحفظ المضمون والمضمون يحيي القالب. والذي يُسقط الشريعة بحجة الحقيقة هو صوفي زائف أو (متزندق) كما قال مالك، وليس من الصوفية في شيء.