جاري تحميل حكمة اليوم...

الرد على شبهة إنكار الكشف والإلهام

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

الرد على شبهة إنكار الكشف والإلهام

التصوف والسلوك ٥ دقائق متوسط

عرض الشبهة

اتهام الأولياء والصوفية بادعاء علم الغيب لمقالهم بالكشف والفراسة والإلهام، والزعم بأن القول بالكشف يستلزم تكذيب قوله تعالى (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)، مما يجعل هذه العقيدة منافياً للتوحيد الخالص.

— شبهة يروجها بعض المعاصرين من دعاة التنظير الحرفي
بيان الفرق بين علم الغيب الذاتي المختص بالله وبين الكشف الجزئي الذي يهبه الله لمن يشاء من أوليائه، وإثبات أن الفراسة والكشف حق ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • القرآن يثبت العلم اللدني (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) والفرقان (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا).
  • السنة تثبت الإلهام والتحديث في حديث (اتقوا فراسة المؤمن) و(مُحَدَّثون).
  • كشف عمر رضي الله عنه بقصة (يا سارية الجبل) معروف مشهور عند جميع المحدثين والمؤرخين.
  • الكشف عند المحققين يوزن بميزان الكتاب والسنة، وما خالفهما فهو مردود.

١ الوجه الأول: العلم اللدني والفرقان في القرآن

القرآن الكريم يقرر وجود نوعين من العلم: علم مكتسب بالتعلم والاجتهاد، وعلم موهوب من الله عباده الصالحين تقوى وصدقاً. فقد أخبر الله عن الخضر أنه آتاه (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ وَعَلَّمَهُ مِنْ لَدُنَّهُ عِلْماً) وهذا علم غير عادي، ليس بالتلقين ولا بالدرس، بل هو إشراق إلهي في القلب. ومثل هذا ليس محصوراً في الأنبياء، بل هو سنة الله في أوليائه.

والآية الكريمة (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) تضع قاعدة ذهبية: التقوى تثمر فرقاناً - وهو نور في القلب يفرق به صاحبه بين الحق والباطل. وهذا الفرقان هو ضرب من ضروب الكشف والإلهام الذي يتفضل الله به على المتقين. فمن أنكر الكشف والإلهام جملةً، فقد أنكر هذه الآية وما تدل عليه من فضل إلهي خاص.

قال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: ٦٥]، وقال: (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال: ٢٩] — سورة الكهف، سورة الأنفال
إشكال: هذه الآيات خاصة بالأنبياء أو بالخضر وحده!

العلم اللدني لم يحصره الله في الأنبياء، فالخضر ليس نبياً على الراجح بل ولي، والفرقان في الأنفال وعد عام للمؤمنين المتقين. وابن عباس رضي الله عنه قال: (اتقوا الله يجعلكم فرقاناً). وعلم الباطن مسلك عام لكل من جاهد نفسه وأخلص لله. وقد قال إبراهيم النخعي: (إنهم كانوا يستحبون أن يكون للرجل فراسة يعرف بها الصادق من الكاذب).

٢ الوجه الثاني: الأحاديث النبوية في الفراسة والإلهام

السنة النبوية زاخرة بالأحاديث التي تثبت الكشف والإلهام وتقررهما كسنة إلهية في المؤمنين الصادقين. حديث (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) نص صريح في أن المؤمن قد يمنح بنور إلهي يبصر به ما لا يبصره غيره. وحديث (لقد كان فيمن قبلكم مُحَدَّثون) أي ملهمون محدثون من الله، وأشار النبي ﷺ إلى عمر بن الخطاب أنه منهم.

قال رسول الله ﷺ: (اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤمِنِ فَإِنَّهُ يَنظُرُ بِنُورِ اللَّهِ) [رواه الترمذي]، وقال ﷺ: (لَقَد كَانَ فِيمَن قَبلَكُم مُحَدَّثُونَ -يُلهَمُونَ- فَإِن يَكُن فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ) [رواه البخاري] — سنن الترمذي، صحيح البخاري
إشكال: حديث (اتقوا فراسة المؤمن) ضعيف عند بعض المحدثين!

الحديث صحيح لغيره، رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم والذهبي وابن حجر والسيوطي. حتى من تكلم في سنده لم ينكر معناه، فقد ورد بطرق متعددة تشهد له. وأما حديث المُحَدَّثون ففي الصحيحين، وهو أصل كبير في باب الإلهام. ثم إن معنى الفراسة ثابت في القرآن (إِن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) والتوسّم هو التفرّس والتدبّر.

٣ الوجه الثالث: شواهد السلف وأعلام الأمة

كرامات الأولياء وإلهاماتهم متواترة معنىً في تراث الأمة. وأشهرها قصة عمر الفاروق رضي الله عنه حين خطب على منبر المدينة ورأى جيش المسلمين في نهاوند (فارس) ونادى بصوته الجهوري: (يا سارية الجبل! يا سارية الجبل!) ثم علموا بعد شهر أن سارية سمع الصوت في تلك الساعة واستند إلى الجبل ففتح الله عليه. هذه القصة لم ينكرها محدث ولا مؤرخ، بل أقرها جماهير علماء الإسلام.

قصّة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بينما هو يخطب بالمدينة يوم الجمعة صاح: (يا سارية الجبل! يا سارية الجبل!) فلما قدم سارية سأله فقال: (يا أمير المؤمنين، سمعت صوتك يوم كذا، فاستندت إلى الجبل ففتح الله علينا) — أخرجها ابن أبي شيبة والطبري وابن الأثير في الكامل
إشكال: هذه القصة يطعن فيها بعض المحدثين من حيث السند!

القصة ثابتة بأسانيد متعددة، وقد صححها جمع من كبار العلماء كابن حجر العسقلاني والقرطبي والبيضاوي والسيوطي. حتى ابن تيمية - الذي شدد على قواعد الأسانيد - أقر بالكرامات والأحوال الخارقة كقصة عمر، بل أفرد مصنفاً في (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وأثبت فيه الكرامات والكشوف. إنكار مثل هذه القصص خروج عن إجماع السلف.

٤ الوجه الرابع: الكشف ليس تشريعاً ولا يعصم من الخطأ

اللبس الذي وقع فيه خصوم الصوفية هو ظنهم أن (الكشف) عند القوم يعني مصدراً تشريعياً مستقلاً، وهذا غير صحيح. فالعارفون المحققون أجمعوا على أن الكشف والإلهام ليسا دليلاً شرعياً ملزماً، ولا يعصمان الولي من الخطأ. الكشف الصادق لا يخالف الكتاب والسنة أبداً، فإن خالفهما فهو كشف شيطاني أو نفساني مردود. لهذا قال المحققون: (الكشف كالقربة، إن كانت من ماء صافي فهو نافع، وإن كانت من ماء آسن فهو ضار).

قال الإمام عبد الوهاب الشعراني: (الكُشُوفُ الَّتِي يُطالِعُ اللهُ بِهَا أَولِيَاءَهُ لَيسَت شَرعًا يُتَّبَعُ وَلا تَحكِيمًا، فَإِن سَاعَفَتهَا الشَّرِيعَةُ قُبِلَت وَإِلَّا رُدَّت، وَاِعتَقَدَ صَاحِبُهَا أَنَّهُ أَخطَأَ فِي فَهمِهِ) — الطبقات الكبرى، للشعراني
إشكال: إذن ما فائدة الكشف إذا كان لا يثبت حكماً شرعياً؟

الكشف فائدته تزكية اليقين وتقوية الإيمان، لا إثبات الأحكام. كما أن رؤية المريض في المنام لطبيبه يصف له الدواء لا تعتبر تشريعاً، لكنها مفيدة. فالكشف يثبت صاحبَه ويزيده بصيرة في الدين، ويجعله يرى محاسن الشريعة وحكمها الباطنة، لكنه لا يغير حكماً شرعياً ولا يلغيه. وهذا هو الضابط الذي يميز التصوف السني عن الغلو والانحراف.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • من أنكر أصل الكشف والفراسة والإلهام فقد خالف القرآن (العلم اللدني والفرقان) والسنة (الفراسة والمُحَدَّثون).
  • كشف عمر (يا سارية الجبل) ثابت عند جماهير العلماء وهو من الكرامات المشهورة.
  • الكشف ليس تشريعاً ولا يعصم الولي، بل يوزن بميزان الكتاب والسنة، وما خالفهما فهو مردود.
  • إثبات الكشف لا يعني ادعاء علم الغيب، فعلم الغيب الذاتي مختص بالله، أما الكشف فهو علم جزئي يهبه الله لمن يشاء.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
الفراسة والكشف حق ثابت بالقرآن (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) والسنة (اتقوا فراسة المؤمن)، وليس فيهما ادعاء لعلم الغيب المختص بالله. قصة عمر مع سارية شاهدة بإقرار الصحابة والسلف لهذه الأحوال. الضابط أن الكشف لا يخالف الكتاب والسنة، فما خالفهما فهو مردود، والولي ليس بمعصوم.
×