الرد على شبهة إنكار الكشف والإلهام
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
اتهام الأولياء والصوفية بادعاء علم الغيب لمقالهم بالكشف والفراسة والإلهام، والزعم بأن القول بالكشف يستلزم تكذيب قوله تعالى (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)، مما يجعل هذه العقيدة منافياً للتوحيد الخالص.
— شبهة يروجها بعض المعاصرين من دعاة التنظير الحرفيالقرآن الكريم يقرر وجود نوعين من العلم: علم مكتسب بالتعلم والاجتهاد، وعلم موهوب من الله عباده الصالحين تقوى وصدقاً. فقد أخبر الله عن الخضر أنه آتاه (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ وَعَلَّمَهُ مِنْ لَدُنَّهُ عِلْماً) وهذا علم غير عادي، ليس بالتلقين ولا بالدرس، بل هو إشراق إلهي في القلب. ومثل هذا ليس محصوراً في الأنبياء، بل هو سنة الله في أوليائه.
والآية الكريمة (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) تضع قاعدة ذهبية: التقوى تثمر فرقاناً - وهو نور في القلب يفرق به صاحبه بين الحق والباطل. وهذا الفرقان هو ضرب من ضروب الكشف والإلهام الذي يتفضل الله به على المتقين. فمن أنكر الكشف والإلهام جملةً، فقد أنكر هذه الآية وما تدل عليه من فضل إلهي خاص.
العلم اللدني لم يحصره الله في الأنبياء، فالخضر ليس نبياً على الراجح بل ولي، والفرقان في الأنفال وعد عام للمؤمنين المتقين. وابن عباس رضي الله عنه قال: (اتقوا الله يجعلكم فرقاناً). وعلم الباطن مسلك عام لكل من جاهد نفسه وأخلص لله. وقد قال إبراهيم النخعي: (إنهم كانوا يستحبون أن يكون للرجل فراسة يعرف بها الصادق من الكاذب).
السنة النبوية زاخرة بالأحاديث التي تثبت الكشف والإلهام وتقررهما كسنة إلهية في المؤمنين الصادقين. حديث (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) نص صريح في أن المؤمن قد يمنح بنور إلهي يبصر به ما لا يبصره غيره. وحديث (لقد كان فيمن قبلكم مُحَدَّثون) أي ملهمون محدثون من الله، وأشار النبي ﷺ إلى عمر بن الخطاب أنه منهم.
الحديث صحيح لغيره، رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم والذهبي وابن حجر والسيوطي. حتى من تكلم في سنده لم ينكر معناه، فقد ورد بطرق متعددة تشهد له. وأما حديث المُحَدَّثون ففي الصحيحين، وهو أصل كبير في باب الإلهام. ثم إن معنى الفراسة ثابت في القرآن (إِن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) والتوسّم هو التفرّس والتدبّر.
كرامات الأولياء وإلهاماتهم متواترة معنىً في تراث الأمة. وأشهرها قصة عمر الفاروق رضي الله عنه حين خطب على منبر المدينة ورأى جيش المسلمين في نهاوند (فارس) ونادى بصوته الجهوري: (يا سارية الجبل! يا سارية الجبل!) ثم علموا بعد شهر أن سارية سمع الصوت في تلك الساعة واستند إلى الجبل ففتح الله عليه. هذه القصة لم ينكرها محدث ولا مؤرخ، بل أقرها جماهير علماء الإسلام.
القصة ثابتة بأسانيد متعددة، وقد صححها جمع من كبار العلماء كابن حجر العسقلاني والقرطبي والبيضاوي والسيوطي. حتى ابن تيمية - الذي شدد على قواعد الأسانيد - أقر بالكرامات والأحوال الخارقة كقصة عمر، بل أفرد مصنفاً في (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وأثبت فيه الكرامات والكشوف. إنكار مثل هذه القصص خروج عن إجماع السلف.
اللبس الذي وقع فيه خصوم الصوفية هو ظنهم أن (الكشف) عند القوم يعني مصدراً تشريعياً مستقلاً، وهذا غير صحيح. فالعارفون المحققون أجمعوا على أن الكشف والإلهام ليسا دليلاً شرعياً ملزماً، ولا يعصمان الولي من الخطأ. الكشف الصادق لا يخالف الكتاب والسنة أبداً، فإن خالفهما فهو كشف شيطاني أو نفساني مردود. لهذا قال المحققون: (الكشف كالقربة، إن كانت من ماء صافي فهو نافع، وإن كانت من ماء آسن فهو ضار).
الكشف فائدته تزكية اليقين وتقوية الإيمان، لا إثبات الأحكام. كما أن رؤية المريض في المنام لطبيبه يصف له الدواء لا تعتبر تشريعاً، لكنها مفيدة. فالكشف يثبت صاحبَه ويزيده بصيرة في الدين، ويجعله يرى محاسن الشريعة وحكمها الباطنة، لكنه لا يغير حكماً شرعياً ولا يلغيه. وهذا هو الضابط الذي يميز التصوف السني عن الغلو والانحراف.