جاري تحميل حكمة اليوم...

حقيقة البدعة وأقسامها والرد على الغلو في التبديع

هل حقاً كل بدعة ضلالة؟ وما الفرق بين البدعة الحسنة والبدعة السيئة؟ وهل كل ما لم يفعله السلف فهو ممنوع؟

التصوف والممارسات ٦ دقائق مبتدئ دفع الشبهات

عرض الشبهة

يَزْعُمُ بَعْضُ المُنْكِرِينَ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالمُسْلِمِينَ عَامَّةً أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ بِدْعَةٌ ضَلَالَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)، وَيُنْكِرُونَ تَقْسِيمَ العُلَمَاءِ لِلْبِدْعَةِ إِلَى حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الإِمَامِ مَالِكٍ: «مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً فَهِيَ ضَلَالَةٌ».

— تنتشر هذه الشبهة في الخطاب السلفي المعاصر كأساس لتكفير وتبديع مخالفيهم
نُحَرِّرُ فِي هَذَا المَقَالِ المَفْهُومَ الصَّحِيحَ لِلْبِدْعَةِ كَمَا فَهِمَهُ سَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَنُثْبِتُ أَنَّ البِدْعَةَ تَنْقَسِمُ إِلَى حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ، وَأَنَّ الغُلُوَّ فِي التَّبْدِيعِ هُوَ نَفْسُهُ بِدْعَةٌ ضَالَّةٌ تُفَرِّقُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • البدعة لغة: كل ما أُحدث على غير مثال سابق، وشرعاً: ما خالف أصول الشريعة
  • البدعة تنقسم إلى حسنة (توافق الشرع) وسيئة (تخالفه) عند جماهير العلماء
  • عمر بن الخطاب قال عن صلاة التراويح جماعة: «نعمت البدعة هذه»
  • الإمام الشافعي قسّم المحدثات إلى: ما وافق الشرع فغير مذموم، وما خالفه فمذموم
  • جمع القرآن في مصحف واحد، ونقط المصحف، والمدارس الشرعية كلها بدع حسنة

١ التحرير اللغوي والشرعي: معنى البدعة في لسان السلف

البدعة في اللغة: الإبداع هو الإنشاء على غير مثال سابق. قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي خالقها لا عن مثال سابق.

البدعة في الشرع: ليست كل بدعة مذمومة، بل البدعة المذمومة هي ما خالف أصول الشريعة ودلائلها. وهذا ما استقر عليه عمل السلف وجماهير الأمة. فالبدعة عندهم تنقسم إلى:

  • بدعة حسنة (مستحبة): ما كان أصله مشروعاً وجُدِّدت صورته كجمع القرآن في مصحف
  • بدعة مباحة: ما كان جائزاً كالتجمل بالثياب والنعم
  • بدعة سيئة (محرمة): ما خالف نصاً صريحاً أو أُسقط به واجب أو أُبيح به حرام
قال الإمام الشافعي: «المُحْدَثَاتُ مِنَ الأُمُورِ ضَرْبَانِ: مَا أُحْدِثَ يُخَالِفُ كِتَاباً أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَراً أَوْ إِجْمَاعاً فَهَذِهِ بِدْعَةُ الضَّلَالَةِ، وَمَا أُحْدِثَ مِنَ الخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنْ هَذَا فَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ». — منسحباً من فقه الشافعي في معنى البدعة

٢ أدلة السنة: (من سن في الإسلام سنة حسنة)

النص القاطع الذي يوضح أن الإحداث في الدين على قسمين هو الحديث الثابت في صحيح مسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا».

فهذا الحديث يثبت أن هناك «سنة حسنة» يمكن أن تُسن بعد النبي ﷺ، و«سنة سيئة» تنشأ. ولو كان كل إحداث محرماً لما قال النبي ﷺ «من سن سنة حسنة».

وأما حديث «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» فهو حديث صحيح، لكنه يُحمل على البدعة المذمومة شرعاً التي تتعارض مع أصول الدين، وذلك بقرينة الحديث الآخر (من سن سنة حسنة). والقاعدة الأصولية: العام يُخصص بالعام الآخر.

قد يُقال: (سن سنة حسنة) يُراد به إحياء سنة قديمة وليس ابتداع جديدة!

الجواب: هذا تأويل لا دليل عليه، بل إن سياق الحديث يخالف هذا التأويل. الحديث جاء في قصة: أتى النبي ﷺ قوم وعليهم أثر الفقر، فحث على الصدقة، فجاء رجل بصدقة ثم تتابع الناس، فقال ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة…». فقبل هذا الفعل لم تكن صدقة الجمعة سنة ثابتة بهذه الصورة، فسنها الرجل وجعلها سنة. وجمهور الأئمة حملوا الحديث على ظاهره.

٣ إجماع الصحابة والعلماء على تقسيم البدعة

عمر بن الخطاب والتراويح: لما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح قال: «نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ» (رواه البخاري). فلو كانت كل بدعة ضلالة ما مدحها عمر بهذا المدح.

جمع القرآن في مصحف واحد: أُحدث بعد النبي ﷺ باتفاق الصحابة، فكان بدعة حسنة. وكذلك نقط المصحف وتشكيله، وبناء المدارس الشرعية، والمآذن، والمحاريب، كلها بدع حسنة لم تكن موجودة.

كبار الأئمة المجمع عليهم: الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات، وابن حجر في الفتح، والسيوطي، والقرافي، والعز بن عبد السلام في قواعده، كلهم نصوا على تقسيم البدعة وأقروا أن البدعة الحسنة جائزة بل واجبة أحياناً!

قال الإمام العز بن عبد السلام: «الْبِدْعَةُ فِعْلُ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى: بِدْعَةٍ وَاجِبَةٍ، وَمُحَرَّمَةٍ، وَمَنْدُوبَةٍ، وَمَكْرُوهَةٍ، وَمُبَاحَةٍ». — قواعد الأحكام (٢/١٧٢)

٤ النظر العقلي والمقاصدي: الجمود يهدم المصلحة

لو أخذنا بمنطق «كل بدعة ضلالة» على إطلاقه دون تفصيل، لحُرِّم علينا:

  • جمع القرآن في مصحف واحد — لم يجمعه النبي ﷺ كذلك
  • نقط المصحف وتشكيله — لحماية اللسان من اللحن
  • بناء المآذن والمحاريب — لم تكن على عهد النبي ﷺ
  • إنشاء المدارس والمعاهد الشرعية — لم تكن بهذا التنظيم
  • علم أصول الفقه وعلم الجرح والتعديل — استُحدث بعد العصر النبوي
  • المذياع والتلفاز والإنترنت لنشر الدعوة — محدثات بالكلية

الجمود على الظاهر الحرفي يهدم مقاصد الشريعة. الدين يُبنى على التسليم للنص مع فهم المقاصد والمآلات. فما وافق الشرع وأصوله فهو مقبول مهما كان مستحدثاً، وما خالفه مرذول مهما ادُّعي له من قدم.

قال الإمام ابن تيمية: «لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ مُحَرَّمٌ، بَلِ المُحْدَثَاتُ مَا وَافَقَ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَهِيَ مِنَ الشَّرِيعَةِ». — مجموع الفتاوى (٤/١٠٩)
الموقف الصحيح والخلاصة
  • البدعة ليست كل ما استُحدث، بل ما خالف أصول الشريعة ونصوصها القطعية
  • البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة بإجماع جماهير الأمة سلفاً وخلفاً
  • عمر بن الخطاب سمى صلاة التراويح بدعة ومدحها، والصحابة أجمعوا على جمع القرآن
  • الغلو في التبديع هو آفة العصر، وهو الذي يُفرق الأمة ويُخرجها من جماعتها
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«البدعة في كلام السلف ليست كل ما استجد، بل ما خالف أصول الشرع. وعمر بن الخطاب سمى صلاة التراويح جماعة بدعة ومدحها. وكل ما تعارف الناس عليه من الخير الذي لا يخالف شرعاً فهو جائز، سواء سميته بدعة حسنة أو سنة حسنة، فالعبرة بالجوهر لا بالمسميات.»
×