براءة الإمام أبي الحسن الأشعري من الرجوع عن مذهبه
الرد على دعوى تراجع الإمام عن عقيدة أهل السنة والجماعة التي قررها في سائر كتبه
الرد على دعوى تراجع الإمام عن عقيدة أهل السنة والجماعة التي قررها في سائر كتبه
يَزْعُمُ بَعْضُ المُنْتَسِبِينَ إِلَى التَّوْحِيدِ أَنَّ الإِمَامَ أَبَا الحَسَنِ الأَشْعَرِيَّ (المتوفى 324هـ) — رَضِيَ اللهُ عَنْهُ — مَرَّ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ عَقَدِيَّةٍ، وَأَنَّهُ رَجَعَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ عَنْ مَذْهَبِهِ الأَشْعَرِيِّ وَاعْتَنَقَ عَقِيدَةَ الحَنَابِلَةِ أَوِ المُجَسِّمَةِ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِكِتَابِهِ «الإِبَانَةِ عَنْ أُصُولِ الدِّيَانَةِ» الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَتَبَهُ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ تَخَلِّياً عَنْ عِلْمِ الكَلَامِ وَرُجُوعاً إِلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَرْفِيًّا.
— تُروى هذه الشبهة بكثرة في مصادر التيار المخالف للمذهب الأشعريأصل هذه الشبهة يعود إلى بعض المتأخرين من الحنابلة (كابن تيمية وابن القيم والمتأثرين بهم) الذين حاولوا إثبات أن الأشعري رجع عن مذهبه ليجعلوا منه حجةً لهم. والحقيقة أن هذه الدعوى تقوم على ثلاثة أدلة واهية:
الدليل الأول: أن الإمام قال في آخر حياته «لا تقولوا بما قاله الأشعري». وهذا خبر لا يصح عنه سنداً، ولم يروُه إلا من لا يُحتج به.
الدليل الثاني: أن كتاب «الإبانة» يخالف كتبه السابقة. وسنرى في الوجه التالي أن هذا غير صحيح.
الدليل الثالث: أن تلاميذه كتموا رجوعه! وهذا اتهام لأئمة الأمة بالخيانة العلمية وهو ما لا يقبله عاقل.
الجواب: أن كتاب الإبانة موجود بنسخ متعددة، وقد أثبت المحققون (كالدكتور عبد الله الجديع والدكتور محمد زاهد الكوثري) أن بعض النسخ تعرضت للتحريف والإضافة من قبل خصوم الأشعري. وأما النسخ الموثوقة المحققة فلا تحتوي على ما يخالف أصوله في «اللمع» و«مقالات الإسلاميين»
كتاب «الإبانة عن أصول الديانة» هو من أهم كتب الإمام الأشعري، والاستدلال به على رجوعه عن مذهبه لا يصح للأسباب التالية:
أولاً: كتاب الإبانة يثبت الصفات لله تعالى كما تليق بجلاله (استوى، نزل، جاء) دون تكييف أو تشبيه أو تجسيم، وهذا هو عين ما يقوله الأشعري في سائر كتبه.
ثانياً: النسخ المنتشرة لكتاب الإبانة والتي تحتوي على عبارات تشبيهية قد أثبت المحققون أنها نُسَخٌ مُحَرَّفَةٌ أُضِيفَتْ إِلَيْهَا زِيَادَاتٌ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ المُتَعَصِّبِينَ الحَنَابِلَةِ فِي العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ.
ثالثاً: لو كان الإمام قد تراجع عن مذهبه في آخر حياته لَذاع هذا الخبر واشتهر كما اشتهر مذهبه، ولما احتاج أحد إلى تأليف كتاب في القرن السادس (ابن عساكر) لإثبات أن الإمام لم يرجع!
من أقوى الأدلة العقلية على عدم رجوع الإمام عن مذهبه هو استمرار آلاف العلماء على منهجه بعد وفاته مباشرة، ولو كان قد رجع لعلموا ذلك ولتابعوه على رجوعه.
تتلمذ على الإمام الأشعري مباشرة كبار أئمة الإسلام مثل:
كَيْفَ يَعْقِلُ أَنْ يَرْجِعَ الإِمَامُ الأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِهِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ يَبْقَى مِئَاتُ الآلَافِ مِنْ تَلَامِيذِهِ وَتَلَامِيذِ تَلَامِيذِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ المَزْعُومِ بُطْلَانُهُ دُونَ أَنْ يُنَبِّهَهُمْ أَحَدٌ لِهَذَا التَّرَاجُعِ؟
هَلْ يُعْقَلُ أَنَّ أَئِمَّةَ الأُمَّةِ وَحُفَّاظَهَا كَانُوا فِي غَفْلَةٍ عَنْ تَرَاجُعِ إِمَامِهِمْ، بَيْنَمَا اكْتَشَفَهُ مُتَأَخِّرُو نَجْدٍ وَأَتْبَاعُهُمْ بَعْدَ سِتَّةِ قُرُونٍ؟ العَقْلُ يَرْفُضُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ المُتَهَافِتَةَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً.
وهذا اتهام لأئمة الإسلام بالخيانة العلمية والتآمر على الدين، وهو اتهام باطل لا يقبله عاقل يعرف مكانة هؤلاء الأئمة وورعهم وتقواهم. فهل يُعقل أن يجتمع كل هؤلاء الأئمة (وهم مختلفون في الفروع) على كتمان الحقيقة في الأصول؟ وأي فائدة لهم في الإبقاء على مذهب زعموا أن إمامهم تراجع عنه؟