جاري تحميل حكمة اليوم...

الرد على شبهة تحريم المسبحة (السُّبْحَة)

هل المسبحة بدعة؟ وهل يصح الإنكار على من يستعين بها على ذكر الله؟

التصوف والممارسات 6 دقائق مبتدئ دفع الشبهات

عرض الشبهة

يَزْعُمُ بَعْضُ المُنْكِرِينَ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالمُسْلِمِينَ عَامَّةً أَنَّ السُّبْحَةَ (المَسْبَحَةَ) بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ فِي الإِسْلَامِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّ التَّسْبِيحَ كَانَ يُحْصَى بِالأَصَابِعِ وَأَنَّ اسْتِعْمَالَ الخَرَزِ المَنْظُومِ فِي الخَيْطِ هُوَ مِنَ البِدَعِ المُحْدَثَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِغَيْرِ المُسْلِمِينَ.

— تنتشر هذه الشبهة في خطب وفتاوى بعض المنتسبين للسلفية المعاصرة
نُثْبِتُ فِي هَذَا المَقَالِ بِالأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ السُّبْحَةِ لِضَبْطِ عَدَدِ الأَذْكَارِ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِدْعَةً بَلْ هُوَ مِنَ الوَسَائِلِ المُبَاحَةِ المُعِينَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَأَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالعُلَمَاءِ.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • السبحة ليست عبادةً في ذاتها، بل وسيلة مادية لضبط عدد الأذكار، والوسائل لها حكم المقاصد
  • النبي ﷺ أقرّ الصحابة على عد التسبيح بالنوى والحصى، والسبحة هي تطوير مادي لنفس الفكرة
  • جمع من الصحابة كأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص استعملوا وسائل عد مماثلة
  • أكثر علماء الأمة عبر التاريخ (كالسيوطي وابن حجر الهيتمي والنووي) نصوا على جوازها بل واستحبابها

١ الأصل في الوسائل: الإباحة لا التحريم

القاعدة الفقهية التي يغفل عنها كثير من المنكرين: «الوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ، وَالأَصْلُ فِي العَادَاتِ الإِبَاحَةُ». السبحة في حقيقتها ليست عبادة قائمة بذاتها، بل هي أداة مادية (خَرَزٌ مَنْظُومٌ) يُستعان بها على ضبط العدد في الذكر والتسبيح.

فالذكر هو العبادة، والسبحة وسيلة معينة عليه. وإذا كانت الوسيلة مباحة في أصلها (والخرز المنظوم مباح) وأعانت على طاعة، فإنها تأخذ حكم الإباحة بل والاستحباب إن كانت أدعى إلى الإكثار من الذكر.

القاعدة الأصولية: «الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم». ولم يأتِ نصٌّ شرعيٌّ بتحريم عقد الخرز أو نظمه أو استعماله للعد. — انظر: المستصفى للغزالي، الإحكام للآمدي

٢ أدلة السنة: إقرار النبي ﷺ لعد التسبيح بالحصى والنوى

ثبت في السنة النبوية ما يدل على مشروعية عد التسبيح بوسائل مادية، وأهمها:

حديث جويرية أم المؤمنين: دخل عليها النبي ﷺ وهي تسبح بِنَوًى (أي بذرات من النوى تعقد بها العد) في حجرها، فقال لها: «لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن». فأقرها النبي ﷺ على فعلها ولم ينكر عليها استعمال النوى للعد.

عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقت عليها؟ قالت: نعم. قال النبي ﷺ: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته». — رواه مسلم (2726)

فالنبي ﷺ رآها تستعمل النوى للعد ولم يُنكر عليها، بل أثنى على ذكرها. والنوى حصى صغير، والسبحة هي تطوير لنفس الفكرة: حصى منظومة في خيط لسهولة الحمل والاستعمال.

قد يُقال: النوى والحصى شيء، والسبحة شيء آخر مختلف!

الجواب: الفرق بينهما فرق في الشكل والتطوير لا في الجوهر والحقيقة. فالنوى والحصى حبوب صغيرة، والسبحة حبوب منظومة في خيط. لو كان النوى مباحاً فما بال الحبوب المنظومة تكون محرمة؟ العبرة بالمقصود وهو ضبط العدد، وليس بمادة الخرز ولا بنظامه. وقد نص الإمام النووي على أن السبحة جائزة بل ومستحبة لما فيها من الإعانة على الذكر (الأذكار، ص ٢٠).

٣ عمل الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين

لم يقتصر استعمال وسائل عد التسبيح على زمن النبي ﷺ، بل استمر ذلك في عهد الصحابة والتابعين:

أبو هريرة رضي الله عنه: كان له خيط فيه ألفا عقدة، لا ينام حتى يسبح به (رواه الحاكم في المستدرك وصححه الذهبي).

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كان يعد التسبيح بالحصى في مسجده (ابن أبي شيبة في المصنف).

أبو سعيد الخدري: كان يعد التكبير والتسبيح بالحصى (ابن أبي شيبة).

أئمة المذاهب وعلماء المسلمين:

  • الإمام النووي: نص في «الأذكار» على جواز السبحة، واستحبابها لمن يخاف نقص العدد أو عدم حفظه
  • الحافظ جلال الدين السيوطي: ألف رسالة خاصة بعنوان «المنحة في السبحة» أثبت فيها مشروعيتها بالأدلة
  • ابن حجر الهيتمي: نص على جوازها بلا كراهة في «الفتاوى الفقهية الكبرى»
  • ابن عابدين الحنفي: نص على جوازها في «حاشية رد المحتار»
  • العلامة محمد زاهد الكوثري: ألف رسالة في «الترفيع والتسبيح بالسبحة» وأثبت مشروعيتها
قال الحافظ جلال الدين السيوطي في «المنحة في السبحة»: «لم يزل المسلمون في جميع الأمصار والأعصار يستعملون السبحة، ولم ينكرها أحد من الأئمة الأخيار، بل أكثرهم يستعملونها، ومن أنكرها فهو المبتدع المخالف للإجماع».

٤ النظر العقلي والمقاصدي: السبحة وسيلة لا عبادة

المنطق الشرعي السليم يقرر أن:

أولاً: السبحة من قبيل الوسائل وليست من قبيل العبادات التوقيفية. والوسائل مباحة في الأصل ما لم تكن محرمة بذاتها (كآلات اللهو المحرم مثلاً)، والسبحة ليست محرمة في ذاتها.

ثانياً: السبحة تحقق مقصداً شرعياً عظيماً هو الإكثار من ذكر الله، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا). فكل ما أعان على هذا المأمور به فهو مطلوب أو مباح.

ثالثاً: السبحة تفيد في ضبط العدد لمن يخشى السهو أو الغلط، خاصة لكبار السن والمشتت الذهن، وهذا عين الرحمة والتيسير في الدين.

قد يُقال: العد بالأصابع أفضل وأولى، والسبحة تشبه غير المسلمين!

الجواب: العد بالأصابع أفضل بلا شك، ولكنه لا يمنع جواز السبحة، فالفضيلة لا تنفي الإباحة. وأما شبهة التشبه فغير واردة، لأن السبحة استخدمها المسلمون قبل غيرهم، ولأن مجرد مشاركة غير المسلمين في وسيلة مادية لا يُعتبر تشبهاً محرماً ما لم تقترن نية التشبه. وإلا لكان ركوب السيارة واستعمال الكهرباء تشبهاً! وقد استعمل الصحابة النوى والحصى، والسبحة تطوير لهما وليست اختراعاً وافداً.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • استعمال السبحة لعد الأذكار جائز شرعاً باتفاق جماهير العلماء سلفاً وخلفاً
  • السبحة وسيلة مباحة، لا عبادة مبتدعة، والوسائل لها حكم المقاصد
  • ثبت إقرار النبي ﷺ لعد التسبيح بالنوى والحصى، والسبحة تطوير مادي لنفس المعنى
  • لا يصح إنكار السبحة أو تبديع مستعملها، والمنكر لها هو المخالف للإجماع العملي للأمة
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«السبحة ليست عبادة، بل هي أداة للعد كالنوى والحصى الذي أقرّ النبي ﷺ الصحابة على استعماله. وقد استعملها الصحابة والتابعون والأئمة عبر القرون دون نكير. والأصل في الوسائل الإباحة، فمن ادّعى التحريم فعليه الدليل، ولا دليل معه.»
×