جاري تحميل حكمة اليوم...

الرد على شبهة مشكلة الشر في العالم

إذا كان الله رحيماً كلي القدرة، فلماذا يوجد الشر والمعاناة في العالم؟

العقيدة والتنزيه ٨ دقائق متوسط دفع الشبهات

عرض الشبهة

يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ — خَاصَّةً المُتَأَثِّرِينَ بِالفَلْسَفَةِ الغَرْبِيَّةِ — مَا يُسَمَّى «مُعْضِلَةَ أَبِيقُورٍ» (أَوْ مَشْكِلَةَ الشَّرِّ): إِذَا كَانَ اللهُ رَحِيماً مُحِبّاً لِلْخَيْرِ وَقَادِراً عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلِمَاذَا يُوجَدُ الشَّرُّ وَالمَرَضُ وَالمَعَانَاةُ فِي العَالَمِ؟ وَلِمَاذَا يَمُوتُ الأَطْفَالُ وَيَحْدُثُ الزَّلَازِلُ وَالحُرُوبُ؟

هَذِهِ الشُّبْهَةُ مِنْ أَقْدَمِ الإِشْكَالَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ، وَيُوَظِّفُهَا المُلْحِدُونَ وَالمُشَكِّكُونَ لِلطَّعْنِ فِي وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَعَدْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.

— تُنسب إلى الفيلسوف الإغريقي أبيقور، ويستخدمها الملحدون المعاصرون كريتشارد دوكينز وغيره
نُبَيِّنُ فِي هَذَا المَقَالِ أَنَّ مَشْكِلَةَ الشَّرِّ» لَا تُشْكِلُ عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ إِطْلَاقاً، بَلْ إِنَّ الإِسْلَامَ يُقَدِّمُ إِطَاراً مُتَكَامِلاً يَضَعُ الشَّرَّ والمَعَانَاةَ فِي سِيَاقِهَا الصَّحِيحِ: الِابْتِلَاءُ، التَّكْفِيرُ، رَفْعُ الدَّرَجَاتِ، وَالتَّعْوِيضُ الأَبَدِيُّ. وَأَمَّا فَلْسَفَةُ الإِلْحَادِ فَلَا تَمْلِكُ حَلّاً لِمَشْكِلَةِ الشَّرِّ بَلْ تَجْعَلُهُ عَبَثاً لَا مَعْنَى لَهُ.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • الدنيا دار ابتلاء لا جزاء، والشر جزء من نظام الاختبار الإلهي
  • قصة الخضر مع موسى عليه السلام تثبت أن ما يبدو شراً يحمل خيراً لا يدركه العقل البشري المحدود
  • المعاناة في الإسلام لها وظيفة: تكفير الذنوب ورفع الدرجات
  • الموت ليس فناءً، الشر محدود بدار فانية ويعقبه تعويض أبدي لا نهائي في الجنة
  • الإلحاد لا يحل مشكلة الشر بل يجعلها أسوأ: شر بلا هدف ولا تعويض

١ الأدلة من القرآن الكريم: دار الابتلاء لا الجزاء

حسم القرآن الكريم هذه القضية بأبلغ بيان، وأوضح أن الحكمة الإلهية أوسع من أن تُحصر في إدراكنا المحدود:

الدنيا دار ابتلاء وفتنة: قال تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: ٣٥]. فالخير والشر كلاهما وسيلة اختبار، والمصير الحقيقي للجزاء هو الآخرة. ولو كانت الدنيا دار جزاء لاستوت فيها الأحوال، ولكنها دار امتحان تظهر فيها حقائق الصبر والشكر.

ما تعلمه موسى من الخضر: أعظم مثال قرآني يرد على هذه الشبهة هو قصة الخضر مع موسى عليهما السلام في سورة الكهف. ثلاثة أفعال ظاهرها شر محض لا يحتمل تأويلاً: خرْق السفينة وقتْل الغلام وإقامة الجدار. كلها بدت في ظاهرها ظلماً وفساداً، لكن الله كشف عن الحكمة الخفية: السفينة كانت لمساكين، والغلام كان طاغياً يرهق أبويه، والجدار كان يحمل كنزاً ليتيمين.

قال تعالى: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَلِمَ يُمَتِّعُكُمْ فِي الْكُفْرِ قَلِيلًا...) [العنكبوت: ٦٦-٦٧]. وأيضاً: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢١٦]. — الآية الجامعة في الرد على من يعترض على تقدير الله
قد يُقال: هذا يلغي معنى الشر، فتقولون إن الشر ليس شراً حقيقياً!

الجواب: لا، الشر حقيقي في إحساسنا ووجوده، ولكننا ننظر من زاوية ضيقة. كألم الجراحة: هو ألم حقيقي لا يُنكره أحد، ولكنه في سياقه الكلي (إنقاذ الحياة) يصير خيراً. العبرة بالصورة الكلية لا باللحظة الآنية. قال الإمام الغزالي: «ما تراه شراً جزئياً هو في الحقيقة ينتج خيراً كلياً».

٢ الأدلة من السنة المطهرة: وظيفة المعاناة

بيَّن النبي ﷺ أن المعاناة في الإسلام ليست عبثاً، بل لها وظائف سامية:

المؤمن خيره كله: قال رسول الله ﷺ: «عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ» (رواه مسلم). فالمؤمن لا يخسر أبداً: إن أصابه خير شكر فازداد قرباً، وإن أصابه شر صبر فكان خيراً له أيضاً.

المعاناة تكفير للذنوب: قال ﷺ: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (متفق عليه). فالمعاناة الدنيوية ترفع المؤمن درجات أو تكفر ذنوبه، فلا تضيع هباءً.

ابتلاء الأنبياء أشد: قال ﷺ: «أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ». وهذا يرد على شبهة أن المعاناة دليل سخط الله. فالأنبياء وهم أحب الخلق إلى الله ابتلوا بأشد البلاء.

قال النبي ﷺ: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ قَوْماً ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ صَبِرَ فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الجَزَعُ». — رواه الترمذي وابن ماجه

٣ أقوال سلف الأمة وعلماء الإسلام

أجمع علماء أهل السنة والجماعة على أن الحكمة الإلهية محيطة بكل شيء، وأن ما يبدو شراً في نظرنا يدخل ضمن نظام الخير الكلي:

الإمام أبو حامد الغزالي: شرح في «الإحياء» أن الشر الجزئي ضروري لوجود الخير الكلي، كالأدوية المرة التي لا غنى عنها للشفاء. وقرر أن إيجاد العالم خير محض، لأن وجود العالم خير من عدمه، والشر الذي فيه قليل مغمور في خير كثير.

الإمام ابن القيم: أفرد في «شفاء العليل» باباً كاملاً في حكمة الله في خلق الشر، وقرر أن الشر ليس شراً محضاً بل يؤول إلى خير، وأنه لو كان الشر شراً محضاً لامتنع أن يخلقه الله، ولكن وجوده في سياقه الكلي هو من تمام الخير.

الإمام فخر الدين الرازي: ناقش هذه المسألة في «المطالب العالية» وقرر أن الاعتراض على الله بوجود الشر ناشئ عن قصور العقل البشري عن إدراك الحكمة الكلية.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «الشَّرُّ لَيْسَ إِلَى اللهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ شَرّاً، بَلْ هُوَ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ خَلْقاً وَتَقْدِيراً، وَأَمَّا كَوْنُهُ شَرّاً فَهُوَ بِاعْتِبَارِ مُلَاءَمَتِهِ لِلْعَبْدِ وَعَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ». — شفاء العليل (ص ٢٣٤)

٤ الدليل العقلي الساطع: الإلحاد لا يحل مشكلة الشر بل يفاقمها

المفارقة المنطقية التي يغفل عنها المشككون: الإلحاد لا يحل مشكلة الشر بل يجعلها مستعصية!

عند الإلحاد: لا إله ولا حكمة ولا غاية. الشر موجود بالصدفة العمياء، والمعاناة لا معنى لها ولا هدف، ولا يوجد تعويض بعد الموت. فمعاناة الطفل بالسرطان تصير عبثاً محضاً بلا غاية، والموت هو النهاية المطلقة. هذا ليس حلاً، هذا إعلان فشل في تفسير الشر!

عند الإيمان: الشر محدود بدار فانية، وله حكمة لا ندركها كلها، ويعقبه تعويض أبدي لا نهائي في الجنة. فمعاناة الدنيا — حتى لو طالت — تزول، والعدل الإلهي المطلق يوزع التعويض العادل يوم القيامة.

قال الإمام الغزالي في «الإحياء»: «وَالْحَاصِلُ أَنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مَحْضٌ وَفَيْضٌ مِنَ الخَيْرِ لَا شَرَّ فِيهِ بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا الشَّرُّ بِالعَرَضِ، كَمَا أَنَّ القَطْعَ وَالكَيَّ شَرٌّ بِالعَرَضِ لِمَا فِيهِمَا مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَى الخَيْرِ المَحْضِ وَهُوَ بَقَاءُ الجِسْمِ».
قد يُقال: لماذا لا يمنع الله الشر مطلقاً إن كان قادراً؟

الجواب: لأن منع الشر مطلقاً يعني إلغاء الاختيار البشري، وإلغاء سنة السببية (قوانين الطبيعة)، وإنهاء الحياة الدنيا كلها. العالم الذي لا يوجد فيه أي احتمال للشر هو الجنة، لا الدنيا. وأنت جئت إلى الدنيا لتختبر لا لتتنعم. فمنع الله كل الشرور نقضٌ لهدف الدنيا نفسه.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • الدنيا دار ابتلاء لا جزاء، والشر جزء لا يتجزأ من نظام الاختبار الإلهي
  • المعاناة لها وظائف إيمانية: تكفير الذنوب، رفع الدرجات، إظهار الصبر والشكر
  • ما نراه شراً جزئياً هو في الحقيقة خير كلي في المنظومة الإلهية (كقصة الخضر مع موسى)
  • الإلحاد لا يقدم حلاً، بل يجعل الشر عبثاً بلا معنى ولا تعويض
  • العدل الإلهي المطلق كفيل بالتعويض الأبدي في الآخرة لمن صبر
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«مشكلة الشر لا تشكل على المؤمن، لأنها تقوم على افتراض خاطئ: أن الدنيا يجب أن تكون جنة. الله لم يخلق الدنيا جنة، بل خلقها دار اختبار، والشر فيها جزء من الامتحان. والإلحاد — لا الإيمان — هو العاجز أمام الشر، لأنه يجعله عبثاً بلا هدف ولا تعويض، بينما الإسلام يمنحه معنى وأجراً وتكفيراً وتعويضاً أبدياً.»
×