شبهة الاستدلال بحديث الجارية لإثبات المكان
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
استخدام حديث الجارية (أين الله؟ قالت: في السماء) لإثبات أن الله سبحانه في السماء حقيقة مكانية، ومن ينفي ذلك ينكر الحديث النبوي ويخالف السلف.
مأخوذ من استدلالات المجسمة والحنابلة الجددثبت في القرآن الكريم معية الله لأينما كان العبد؛ قال تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)، فهذه معية عامة شاملة لكل مكان وزمان. ثم قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، فثبت علوّ على العرش. والجمع بين الدليلين يفيد أن علوّ الله على العرش ليس علوّ مكان حسي محدود، بل هو علوّ شأن ورفعة وسلطان.
كما قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، فكرسيه أوسع من السماوات والأرض، فكيف يكون الله مقيّداً بالسماء من كرسيه أوسع منها؟ هذا يدلّ على أن الاستواء والعلوّ معنى معنوي يليق بكمال الله، لا حسي مادي.
هذا القول مردود؛ فقد ثبت في حديث الجارية (معيَّ بعلمي) عند مسلم، لكن هذا لا يُلغي المعية الذاتية الواردة في القرآن؛ فالآية تقول (وهو معكم أينما كنتم) بسياق التوكيد على حفظ الله ورعايته، وهذا أعم من العلم. والسلف لم يقيّدوا المعية بالعلم فقط بل أثبتوها على وجهها.
حديث الجارية من أحاديث الصفات التي وردت في سياق امتحان الجارية في معرفة ربها؛ فقد سألها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أين الله؟) فقالت: (في السماء)، فقال: (من أنا؟) فقالت: (أنت رسول الله)، فقال: (أعتقوها فهي حرة). والجارية هنا أُجابت على القياس الذي تفهمه العرب؛ فالسماء عندهم رمز للعلو والرفعة والجاه لا المكان الحسي المادي.
والأظهر عند كبار العلماء أن الجارية أرادت الإشارة إلى علوّ المكانة والرفعة لا المكان الحسي؛ فقد قالت (في السماء) أي في العلو والملكوت، لا في مكان مادي محدود. وهذا موافق لفهم السلف للسماء بأنها جهة العلو لا أنها محطة لله تعالى.
هذا صحيح من جهة الظاهر، لكن ظاهر اللفظ عند العرب لم يكن يعني المكان الحسي كما يفهمه المتأخّلون؛ فالسماء في الاستعمال العربي القديم ترمز للعلو والرفعة والعظمة، وهذا هو المعنى الذي أرادته الجارية وأقرّه النبي ﷺ. والأدلة القرآنية تؤيد هذا المعنى لا المكانية الحسية.
شرح الإمام النووي رحمه الله حديث الجارية في شرحه على صحيح مسلم فقال بوضوح: معناه في العلو والجلال والسلطان لا في المكان. فالنووي من كبار شيوخ السنة الماتريدية أشار إلى أن معنى (في السماء) هو علوّ الشأن والجاه والسلطان لا المكان الحسي الذي يُناسب الأجسام المحدودة.
وكذلك قال إمام الحرمين الجويني إن الاستواء والعلوّ في حديث الجارية يُحمل على العلو المعنوي والرفعة الربانية. بل إن ابن تيمية نفسه اعترف في مواضع كثيرة بأن (في السماء) لا تعني المكانية الحسية المحضة، لكنه اختلف مع السلف في تفصيلات أخرى.
النووي ماتريدي المذهب كما هو معلوم عند أهل الأثر، وقوله هذا يدل على أن الماتريدة يتفقون مع الأشاعرة في نفي المكانية الحسية. والحنابلة الأصلاء كابن عبد البر وابن قدامة يتفقون معهم في أن السماء هنا تعني العلو المعنوي لا المكان.
إثبات المكان الحسي لله يُوقع في مسائل عقدية خطيرة؛ فالسماء مخلوقة والمخلوق حادث والله قديم، فكيف يحلّ القديم في الحادث؟ الله كان قبل خلق السماء وهو الآن على ما عليه كان، غني عن العالمين والمكان والزمان.
كما أن القول بالمكانية الحسية يستلزم أن يكون الله محصوراً في جهة محددة، وهذا يتناقض مع قول تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي)، فالله ينفي الرؤية في الدنيا دلالة على أنه ليس جسماً يُرى بالعين في مكان مادي.
القدرة الإلهية لا تُقاس على القدرة البشرية؛ فالله قادر على كل شيء، لكن الإيمان بالقدرة لا يعني الإثبات بالكيفية. فنحن لا ننفي قدرة الله، بل نقول إنّ المكانية الحسية صفة أجسام لا صفات الإله، وصفاته تعالى كلها صفات كمال ونعمة وعظمة لا صفات حد ومادة.