شبهة إثبات الجلوس والقعود في صفة (الاستواء)
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
إثبات أن الاستواء على العرش هو استواء حسي بمعنى الجلوس أو الاستقرار على العرش كما يفهم من ظاهر اللفظ، وأن من أوّله بالعلو والرفعة فقد نفى الصفة.
مأخوذ من كتب المجسمة والحنابلة الجددوصف الله تعالى نفسه بالصمد في قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ)، والصمد هو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى شيء. أما الجلوس فهو حاجة للجسم المدعوم الذي يحتاج إلى استقرار على سطح، وهذا من صفات الأجسام المخلوقة لا من صفات الخالق الغني المتعال.
كما ورد الاستواء في القرآن في سبع مواضع، وكلها في سياق العلو والرفعة والقهر، لا في سياق الجلوس والقرار. وقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فنفى المماثلة ثم أثبت السمع والبصر اللذين لا يناسبان الجسمية في أصل معناهما.
هذا خلط؛ فالغني المطلق ينفي كل نقص وحاجة، والجلوس والقعود من صفات الأجسام المحدودة التي تحتاج إلى دعامة ومساند. فمن أثبت الجلوس لله فقد أضاف إليه صفة المحدودية والحاجة، وهذا مناقض للتنزيه القرآني الذي جعل الله غنياً عن كل شيء.
ليس في أي حديث صحيح شريف وصفٌ لكيفية الاستواء على العرش بالجلوس أو القعود أو المماسة. فالنبي ﷺ قرأ: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ولم يبيّن كيف استوى، بل كان يقرؤها كما نزلت دون تكييف أو تشبيه.
بل في الحديث الصحيح: (كان الله ولم يكن غيره)، فالعرش مخلوق كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، فكيف يكون الله مقيّداً بمكان حسي مخلوق؟ كما ثبت في حديث القدر: (كان الله ولم يكن غيره)، ثم خلق العرش فاستوى عليه بمشيئته وقدرته.
هذا صحيح من حيث المبدأ، لكن عدم التصريح بالكيف في أحاديث الصفات كلها دليل على أن النبي ﷺ أراد المعنى الشرعي الرفيع لا الكيفية الحسية؛ لأن النبي ﷺ لو أراد المعنى الحسي لأوضحه كما أوضح أحكام الصلاة والصيام بالتفصيل.
روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير الاستواء: هو العلو والارتفاع، ولم يقل الجلوس أو المماسة أو القعود. وهذا نص قاطع في أن فهم الصحابي الجليل للاستواء هو المعنى الشرعي الرفيع لا الحسي المادي.
وقد فهم ذلك كثير من أئمة السلف؛ فمجاهد قال: الاستواء استيلاء، وعكرمة قال: الاستواء العلو. وكلها معانٍ رفيعة تناسب كمال الله وعظمته، لا معانٍ حسية تناسب الأجسام والمخلوقات. وكلمة مالك الذهبية: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) تؤكد أن الاستواء معلوم في معناه العلوي لا في كيفيته المادية.
هذا فهم خاطئ؛ فالعلو نقيض الجلوس والاستقرار السفلي، فمن قال إن الاستواء علو وارتفاع فقد نفى الجلوس بالضرورة؛ لأن الجلوس يعني الجلوس على شيء يعني الاعتدال والاقتراب من الأسفل لا العلو المطلق.
القعود والجلوس يقتضي أن يكون العرش إما أكبر من الله تعالى عن ذلك، أو أصغر منه، أو مساوياً له. وكل ذلك يستلزم المحدودية الفيزيائية والله منزه عن الحدود والمقادير. فالأول يستلزم أن الله أقلّ من مخلوقه، والثاني يستلزم أنه أكبر من كل شيء بما فيها السماء التي وُسع كرسيه إياها.
كما أن الجلوس يستلزم الاتصال والمماسة بين جسمين، وهذا من صفات الأجسام الذرّية المركّبة من مادة، والله تعالى متنزه عن المادة والتركيب والتفكيك. والقول بـ(لا نعلم كيف يجلس) في هذه الحالة ليس تفويضاً سلفياً بل إثباتاً لصفات الأجسام مع الجهل بكيفيتها.
القدرة الإلهية شاملة لكنها منضبطة بالحكمة؛ فالله قادر على أن يخلّق حجراً لا يرفعه هو ولا ملك، لكنه لا يفعل ذلك لحكمة. كذلك الله قادر على الجلوس لكن الجلوس صفة نقص وحاجة في حق الله تعالى، والله منزه عن النقص والحاجة فكيف يصح أن يوصف بها مع كماله؟