لماذا يعتبر التمذهب صمام أمان من التخبط؟
نعيش اليوم في عصر الانفتاح المعرفي؛ حيث تصل الفتوى بضغطة زر، وتتناثر الآراء الفقهية على شاشات الهواتف، ورغم إيجابية سهولة الوصول للمعلومة، إلا أن هذا الانفتاح أفرز ظاهرة خطيرة وهي "الفوضى الفقهية واللامذهبية"، لقد أصبح الشاب العادي يتنقل بين الأقوال باحثاً عن الأسهل تارة، أو المغتر بكلمة "هذا هو الدليل" تارة أخرى، دون امتلاك أدوات الفهم أو الترجيح.
إن التمذهب بمذهب من المذاهب الأربعة المعتبرة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي) ليس تعصباً أعمى كما يروج البعض، بل هو "منهجية علمية" تضبط مسار المسلم في تعبده لله، وتحميه من التناقض والتلفيق.
المذاهب ليست اجتهادات شخصية منعزلة لإمام واحد، بل هي مدارس علمية متكاملة، الإمام أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، أسسوا قواعد للفهم والاستنباط (أصول الفقه)، ثم جاءت أجيال من كبار العلماء (كالإمام النووي، وابن قدامة، والقرافي، وابن عابدين) فنقحوا هذه المذاهب وحرروها عبر مئات السنين.
من ظن أنه بتخليه عن المذهب يتصل بالنبي ﷺ مباشرة فهو واهم؛ لأنه في الحقيقة سيقلد فهمه القاصر المعاصر، أو يقلد شيخاً معاصراً لم يبلغ عشر معشار علم الأئمة الأربعة، يقول الإمام الشاطبي: "فتاوى المقلدين في حق العوام، كالأدلة الشرعية في حق المجتهدين".
يقول الإمام سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله"، اللامذهبية تفتح الباب واسعاً أمام الإنسان ليأخذ بفتوى من مذهب في الوضوء، وفتوى من مذهب آخر في الصلاة، فيصلي صلاة باطلة باتفاق المذهبين معاً! (وهو ما يُعرف بالتلفيق المذموم).
التمذهب هو سفينة النجاة في بحر متلاطم من الآراء، التزامك بمذهب يجعلك تعبد الله على بصيرة وبمنهجية مستقرة، ويحميك من شذوذ الفتاوى وتناقضها.