نشأته وبداياته
هو يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان، الملقب بالملك الناصر، ولد في تكريت بالعراق سنة 526 هـ (1132م)، نشأ في دمشق في كنف الدولة الزنكية (نور الدين محمود زنكي)، وتربى تربية دينية جهادية، وحفظ القرآن ودرس الفقه الشافعي والحديث.
عقيدته الأشعرية
كان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله سنيّاً أشعرياً صلباً، يعتقد عقيدة التنزيه التي قررها الإمام أبو الحسن الأشعري، بل كان شديد التمسك بها والحرص على نشرها وتلقينها للناس، وقد نص المؤرخون على ذلك صراحة:
- كتابة العقيدة الصلاحية: أمر صلاح الدين العالم قطب الدين النيسابوري بكتابة رسالة في العقيدة الأشعرية سميت "العقيدة الصلاحية"، وأمر بتعليمها للأطفال في الكتاتيب لتربيتهم على التنزيه ونفي التشبيه.
- التأذين بالعقيدة: أمر المؤذنين في مصر والشام أن يقرؤوا العقيدة الأشعرية قبل أذان الفجر، لترسيخها في قلوب العوام، واستمر هذا العمل قروناً.
علاقته بالتصوف والصوفية
لم يكن التصوف في نظر صلاح الدين عائقاً عن الجهاد، بل كان يرى فيه رافداً للروح الجهادية وبناء الرجال، كان محباً للصوفية، مقرباً لعلماء التزكية، وبنى لهم الخوانق والزوايا.
يقول الإمام السبكي في "طبقات الشافعية": "وكان صلاح الدين خيِّراً ديِّناً، مواظباً على الجماعات، محباً لأهل الخير والصوفية والعلماء، وبنى الخوانق للصوفية في دمشق والقاهرة".
ومن أشهر المدارس التي أسسها "الخانقاه الصلاحية" في مصر، والتي خصصها للصوفية وشرط لهم شروطاً ليتفرغوا للعبادة والدراسة والعلم.
جهاده وفتوحاته (تحرير القدس)
توج صلاح الدين جهوده بتوحيد مصر والشام، ثم انطلق لمواجهة الصليبيين في معركة حطين الفاصلة (583 هـ / 1187م) التي كسر فيها شوكتهم، وبعدها بأسابيع فتح بيت المقدس وطهره من دنس الاحتلال الصليبي الذي دام 88 عاماً.
وكانت جيوشه التي حررت القدس مكونة من الأشاعرة والماتريدية والصوفية، مما يثبت أن المنهج الحق الذي يجمع بين صفاء العقيدة (التنزيه) وصفاء الروح (التصوف) هو المنهج القادر على تحرير الأمة واستعادة مجدها.
أخلاقه ووفاته
رغم ما ملكه من كنوز الشرق، كان زاهداً متواضعاً، توفي بدمشق سنة 589 هـ (1193م) ولم يخلف في خزانته سوى بضعة دراهم، ولم يترك عقاراً ولا بستاناً، ضرب أروع الأمثلة في العفو والتسامح حتى مع أعدائه، فصار أسطورة في الفروسية والنبل في الشرق والغرب.